فهرس الكتاب

الصفحة 1855 من 8321

اعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآيات مرة أحوال الكافرين في كيفية العقاب ، وأخرى أحوال المؤمنين في الثواب جامعًا بين الزجر والترغيب والوعد والوعيد ، فلما وصف من آمن من الكفار بما تقدم من الصفات الحسنة أتبعه تعالى بوعيد الكفار ، فقال: { إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلاَ أولادهم } وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: في قوله { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } قولان الأول: المراد منه بعض الكفار ثم القائلون بهذا القول ذكروا وجوهًا أحدها: قال ابن عباس: يريد قريظة والنضير ، وذلك لأن مقصود رؤساء اليهود في معاندة الرسول ما كان إلا المال والدليل عليه قوله تعالى في سورة البقرة { وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلًا } [ البقرة: 41 ] وثانيها: أنها نزلت في مشركي قريش ، فإن أبا جهل كان كثير الافتخار بماله ولهذا السبب نزل فيه قوله { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا ورئيًا } [ مريم: 74 ] وقوله { فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزبانية } [ العلق: 17 ، 18 ] وثالثها: أنها نزلت في أبي سفيان ، فإنه أنفق مالًا كثيرًا على المشركين يوم بدر وأحد في عداوة النبي A .

والقول الثاني: أن الآية عامة في حق جميع الكفار ، وذلك لأنهم كلهم كانوا يتعززون بكثرة الأموال ، وكانوا يعيرون الرسول A وأتباعه بالفقر ، وكان من جملة شبههم أن قالوا: لو كان محمد على الحق لما تركه ربه في هذا الفقر والشدة ولأن اللفظ عام ، ولا دليل يوجب التخصيص فوجب إجراؤه على عمومه ، وللأولين أن يقولوا: إنه تعالى قال بعد هذه الآية { مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ } [ آل عمران: 177 ] فالضمير في قوله { يُنفِقُونَ } عائد إلى هذا الموضع ، وهو قوله { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } ثم إن قوله { يُنفِقُونَ } مخصوص ببعض الكفار ، فوجب أن يكون هذا أيضًا مخصوصًا .

المسألة الثانية: إنما خص تعالى الأموال والأولاد بالذكر لأن أنفع الجمادات هو الأموال وأنفع الحيوانات هو الولد ، ثم بيّن تعالى أن الكافر لا ينتفع بهما ألبتة في الآخرة ، وذلك يدل على عدم انتفاعه بسائر الأشياء بطريق الأولى ، ونظيره قوله تعالى: { يَوْمَ لاَ يَنفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ * إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ } [ الشعراء: 88 ، 89 ] وقوله { واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا } [ البقرة: 48 ] الآية وقوله { فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مّلْء الأرض ذَهَبًا وَلَوِ افتدى بِهِ } [ آل عمران: 91 ] وقوله { وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتى تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى } [ سبأ: 37 ] ولما بيّن تعالى أنه لا انتفاع لهم بأموالهم ولا بأولادهم ، قال: { وَأُوْلئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } .

واحتج أصحابنا بهذه الآية على أن فساق أهل الصلاة لا يبقون في النار أبدًا فقالوا قوله { وَأُوْلئِكَ أصحاب النار } كلمة تفيد الحصر فإنه يقال: أولئك أصحاب زيد لا غيرهم وهم المنتفعون به لا غيرهم ولما أفادت هذه الكلمة معنى الحصر ثبت أن الخلود في النار ليس إلا للكافر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت