فهرس الكتاب

الصفحة 5470 من 8321

اعلم أن فرعون لم يقل لموسى { وَمَا رَبُّ العالمين } ، إلا وقد دعاه موسى إلى طاعة رب العالمين ، يبين ذلك ما تقدم من قوله: { فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبّ العالمين } [ الشعراء: 16 ] فلا بد عند دخولهما عليه أنهما قالا ذلك ، فعند ذلك قال فرعون: { وَمَا رَبُّ العالمين } ثم ههنا بحثان:

الأول: أن فرعون يحتمل أن يقال إنه كان عارفًا بالله ، ولكنه قال ما قال طلبًا للملك والرياسة ، وقد ذكر الله تعالى في كتابه ما يدل على أنه كان عارفًا بالله ، وهو قوله: { قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السموات والأرض } [ الإسراء: 102 ] فإذا قرىء بفتح التاء من { عَلِمَتِ } فالمراد أن فرعون علم ذلك ، وذلك يدل على أنه كان عارفًا بالله ، لكنه كان يستأكل قومه بما يظهره من إلهيته ، والقراءة الأخرى برفع التاء من { عَلِمَتِ } فهي تقتضي أن موسى عليه السلام هو الذي عرف ذلك ، وأيضًا فإن فرعون إن لم يكن عاقلًا لم يجز من الله تعالى بعثة الرسول إليه ، وإن كان عاقلًا فهو يعلم بالضرورة أنه ما كان موجودًا ولا حيًا ولا عاقلًا ثم صار كذلك ، وبالضرورة يعلم أن كل ما كان كذلك فلا بد له من مؤثر ، فلا بد وأن يتولد له من هذين العلمين علم ثالث بافتقاره في تركيبه وفي حياته وعقله إلى مؤثر موجد ، ويحتمل أن يقال إنه كان على مذهب الدهرية من أن الأفلاك واجبة الوجود في ذواتها ومتحركة لذواتها ، وأن حركاتها أسباب لحصول الحوادث في هذا العالم ، أو يقال إنه كان من الفلاسفة القائلين بالعلة الموجبة لا بالفاعل المختار ، ثم اعتقد أنه بمنزلة الإله لأهل إقليمه من حيث استعبدهم وملك ذماتهم وزمام أمرهم ، ويحتمل أن يقال إنه كان على مذهب الحلولية ، القائلين بأن ذات الإله يتدرع بجسد إنسان معين ، حتى يكون الإله سبحانه لذلك الجسد بمنزلة روح كل إنسان بالنسبة إلى جسده ، وبهذه التقديرات كان يسمي نفسه إلهًا .

البحث الثاني: وهو أنه قال لموسى عليه السلام: { وَمَا رَبُّ العالمين } ؟ واعلم أن السؤال بما طلب لتعريف حقيقة الشيء ، وتعريف حقيقة الشيء إما أن يكون بنفس تلك الحقيقة أو بشيء من أجزائها أو بأمر خارج عنها أو بما يتركب من الداخل والخارج . أما تعريفها بنفسها فمحال ، لأن المعرف معلوم قبل المعرف ، فلو عرف الشيء بنفسه لزم أن يكون معلومًا قبل أن يكون معلومًا وهو محال . وأما تعريفها بالأمور الداخلة فيها فههنا في حق واجب الوجود محال ، لأن التعريف بالأمور الداخلة لا يمكن إلا إذا كان المعرف مركبًا ، وواجب الوجود يستحيل أن يكون مركبًا ، لأن كل مركب فهو محتاج إلى كل واحد من أجزائه ، وكل واحد من أجزائه فهو غيره ، فكل مركب محتاج إلى غيره ، وكل ما احتاج إلى غيره فهو ممكن لذاته ، وكل مركب فهو ممكن ، فما ليس بممكن يستحيل أن يكون مركبًا ، فواجب الوجود ليس بمركب ، وإذا لم يكن مركبًا استحال تعريفه بأجزائه ، ولما بطل هذان القسمان ثبت أنه لا يمكن تعريف ماهية واجب الوجود إلا بلوازمه وآثاره ، ثم إن اللوازم قد تكون خفية ، وقد تكون جلية ، ولا يجوز تعريف الماهية باللوازم الخفية بل لا بد من تعريفها باللوازم الجلية ، وأظهر آثار ذات واجب الوجود هو هذا العالم المحسوس وهو السموات والأرض وما بينهما فقد ثبت أنه لا جواب ألبتة لقول فرعون { وَمَا رَبُّ العالمين } إلا ما قاله موسى عليه السلام ، وهو أنه رب السموات والأرض وما بينهما ، فأما قوله: { إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ } فمعناه: إن كنتم موقنين بإسناد هذه المحسوسات إلى موجود واجب الوجود فاعرفوا أنه لا يمكن تعريفه إلا بما ذكرته لأنكم لما سلمتم انتهاء هذه المحسوسات إلى الواجب لذاته ، ثبت أن الواجب لذاته فرد مطلق ، وثبت أن الفرد المطلق لا يمكن تعريفه إلا بآثاره ، وثبت أن تلك الآثار لا بد وأن تكون أظهر آثاره ، وأبعدها عن الخفاء وما ذاك إلا السموات والأرض وما بينهما ، فإن أيقنتم بذلك لزمكم أن تقطعوا بأنه لا جواب عن ذلك السؤال إلا هذا الجواب ، ولما ذكر موسى عليه السلام هذا الجواب الحق قال فرعون لمن حوله ألا تستمعون وإنما ذكر ذلك على سبيل التعجب من جواب موسى ، يعني أنا أطلب منه الماهية وخصوصية الحقيقة ، وهو يجيبني بالفاعلية والمؤثرية ، وتمام الإشكال أن تعريف الماهية بلوازمها لا يفيد الوقوف على نفس تلك الماهية ، وذلك لأنا إذا قلنا في الشيء إنه الذي يلزمه اللازم الفلاني ، فهذا المذكور ، إما أن يكون معروفًا لمجرد كونه أمرًا ما يلزمه ذلك اللازم أو لخصوصية تلك الماهية التي عرضت لها هذه الملزومية ، والأول محال لأن كونه أمرًا يلزمه ذلك اللازم جعلناه كاشفًا فلو كان المكشوف هو هذا القدر لزم كون الشيء معروفًا لنفسه وهو محال ، والثاني محال لأن العلم بأنه أمر ما يلزمه اللازم الفلاني لا يفيد العلم بخصوصية تلك الماهية الملزومة ، لأنه لا يمتنع في العقل اشتراك الماهيات المختلفة في لوازم متساوية فثبت أن التعريف بالوصف الخارجي لا يفيد معرفة نفس الحقيقة فلم يكن كونه ربًا للسموات والأرض وما بينهما جوابًا عن قوله: { وَمَا رَبُّ العالمين } فأجاب موسى عليه السلام: بأن { قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الأولين } وكأنه عدل عن التعريف بخالقية السماء والأرض إلى التعريف بكونه تعالى خالقًا لنا ولآبائنا ، وذلك لأنه لا يمتنع أن يعتقد أحد أن السموات والأرضين واجبة لذواتها فهي غنية عن الخالق والمؤثر ، ولكن لا يمكن أن يعتقد العاقل في نفسه وأبيه وأجداده كونهم واجبين لذواتهم ، لم أن المشاهدة دلت على أنهم وجدوا بعد العدم ثم عدموا بعد الوجود ، وما كان كذلك استحال أن يكون واجبًا لذاته ، وما لم يكن واجبًا لذاته استحال وجوده إلا لمؤثر ، فكان التعريف بهذا الأثر أظهر فلهذا عدل موسى عليه السلام من الكلام الأول إليه فقال فرعون: { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } يعني المقصود من سؤال ما طلب الماهية وخصوصية الحقيقة والتعريف بهذه الآثار الخارجية لا يفيد ألبتة تلك الخصوصية ، فهذا الذي يدعي الرسالة مجنون لا يفهم السؤال فضلًا عن أن يجيب عنه ، فقال موسى عليه السلام: { رَبُّ المشرق والمغرب وَمَا بَيْنَهُمَا إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ } فعدل إلى طريق ثالث أوضح من الثاني ، وذلك لأنه أراد بالمشرق طلوع الشمس وظهور النهار ، وأراد بالمغرب غروب الشمس وزوال النهار ، والأمر ظاهر في أن هذا التدبير المستمر على الوجه العجيب لا يتم إلا بتدبير مدبر وهذا بعينه طريقة إبراهيم عليه السلام مع نمروذ ، فإنه استدل أولًا بالإحياء والإماتة وهو الذي ذكره موسى عليه السلام ههنا بقوله: { رَبُّكُمْ وَرَبُّ ءابَائِكُمُ الأولين } فأجابه نمروذ بقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت