واعلم أن في الآية دلالة على أن كفر الكافر لا يبطل نعمته على من يحسن إليه ولا يبطل منته لأن موسى عليه السلام إنما أبطل ذلك بوجه آخر على ما بينا ، واختلف العلماء فقال بعضهم إذا كان كافرًا لا يستحق الشكر على نعمه على الناس إنما يستحق الإهانة بكفره ، فلو استحق الشكر بإنعامه والشكر لا يوجد إلا مع التعظيم فيلزم كونه مستحقًا للإهانة وللتعظيم معًا ، واستحقاق الجمع بين الضدين محال ، وقال آخرون لا يبطل الشكر بالكفر وإنما يبطل بالكفر الثواب والمدح الذي يستحقه على الإيمان ، والآية تدل على هذا القول الثاني .
المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» إنما جمع الضمير في { مّنكُمْ } و { خِفْتُكُمْ } مع إفراده في { ثمنها } و { عَبَّدتَّ } لأن الخوف والفرار لم يكونا منه وحده ولكن منه ومن ملائه المؤتمرين بقتله ، بدليل قوله: { إِنَّ الملا يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ } [ القصص: 20 ] وأما الامتنان فمنه وحده وكذلك التعبيد ، فإن قلت: { تِلْكَ } إشارة إلى ماذا و { أَنْ عَبَّدتَّ } ما محلها من الإعراب؟ قلت: ( تلك ) إشارة إلى خصلة شنعاء مبهمة لا يدرى ما هي إلا بتفسيرها وهي { أَنْ عَبَّدتَّ } فإن { أَنْ عَبَّدتَّ } عطف بيان ونظيره قوله تعالى: { وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الأمر أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ مُّصْبِحِينَ } [ الحجر: 66 ] والمعنى تعبيدك بني إسرائيل نعمة تمنها علي ، وقال الزجاج: ويجوز أن يكون ( أن ) في موضع نصب ، والمعنى إنما صارت نعمة علي ، لأن عبدت بني إسرائيل أي لو لم تفعل ذلك لكفاني أهلي .