اعلم أنه تعالى لما بين من قبل في المنافقين والمنافقات أنه نسبهم ، أي جازاهم على تركهم التمسك بطاعة الله أكد هذا الوعيد وضم المنافقين إلى الكفار فيه ، فقال: { وَعَدَ اللهُ المنافقين والمنافقات والكفار نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا } ولا شك أن النار المخلدة من أعظم العقوبات .
ثم قال: { هِىَ حَسْبُهُمْ } والمعنى: أن تلك العقوبة كافية لهم ولا شيء أبلغ منها ، ولا يمكن الزيادة عليها .
ثم قال: { وَلَعَنَهُمُ الله } أي ألحق بتلك العقوبة الشديدة الإهانة والذم واللعن .
ثم قال: { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } ولقائل أن يقول: معنى كون العذاب مقيمًا وكونه خالدًا واحد ، فكان هذا تكرارًا؟
والجواب: ليس ذلك تكريرًا ، وبيان الفرق من وجوه: الأول: أن لهم نوعًا آخر من العذاب المقيم الدائم سوى العذاب بالنار والخلود المذكور أولًا ، ولا يدل على أن العذاب بالنار دائم . وقوله: { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } يدل على أن لهم مع ذلك نوعًا آخر من العذاب .
ولقائل أن يقول: هذا التأويل مشكل لأنه قال في النار المخلدة: { هِىَ حَسْبُهُمْ } وكونها حسبًا بمنع من ضم شيء آخر إليه .
وجوابه: أنها حسبهم في الإيلام والإيجاع ، ومع ذلك فيضم إليه نوع آخر زيادة في تعذيبهم . والثاني: أن المراد بقوله: { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } العذاب العاجل الذي لا ينفكون عنه ، وهو ما يقاسونه من تعب النفاق والخوف من اطلاع الرسول على بواطنهم ، وما يحذرونه أبدًا من أنواع الفضائح .
ثم قال: { كالذين مِن قَبْلِكُمْ } واعلم أن هذا رجوع من الغيبة إلى الخطاب ، وهذا الكاف للتشبيه ، وهو يحتمل وجوهًا: الأول: قال الفراء: فعلتم كأفعال الذين من قبلكم ، والمعنى: أنه تعالى شبه المنافقين بالكفار الذين كانوا قبلهم في الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف ، وقبض الأيدي عن الخيرات ، ثم إنه تعالى وصف أولئك الكفار بأنهم كانوا أشد قوة من هؤلاء المنافقين وأكثر أموالًا وأولادًا ، ثم استمتعوا مدة بالدنيا ثم هلكوا وبادوا وانقلبوا إلى العقاب الدائم ، فأنتم مع ضعفكم وقلة خيرات الدنيا عندكم أولى أن تكونوا كذلك .
والوجه الثاني: أنه تعالى شبه المنافقين في عدولهم عن طاعة الله تعالى ، لأجل طلب لذات الدنيا بمن قبلهم من الكفار ، ثم وصفهم تعالى بكثرة الأموال والأولاد وبأنهم استمتعوا بخلاقهم ، والخلاق النصيب ، وهو ما خلق للإنسان ، أي قدر له من خير ، كما قيل له: قسم لأنها قسم ونصيب ، لأنه نصب أي ثبت ، فذكر تعالى أنهم استمتعوا بخلاقهم فأنتم أيها المنافقون استمتعم بخلاقكم كما استمتع أولئك بخلاقهم .
فإن قيل: ما الفائدة في ذكر الاستمتاع بالخلاق في حق الأولين مرة ثم ذكره في حق المنافقين ثانيًا ثم ذكره في حق الأولين ثالثًا .