فهرس الكتاب

الصفحة 5020 من 8321

أما قوله تعالى: { خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ } ففيه مسائل:

المسألة الأولى: في المراد من الإنسان قولان: أحدهما: أنه النوع ، والثاني: أنه شخص معين . أما القول الأول فتقريره أنهم كانوا يستعجلون عذاب الله تعالى وآياته الملجئة إلى العلم والإقرار: { وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد } [ الملك: 25 ] فأراد زجرهم عن ذلك ، فقدم أولًا ذم الإنسان على إفراط العجلة ثم نهاهم وزجرهم كأنه قال: لا يبعد منكم أن تستعجلوا فإنكم مجبولون على ذلك وهو طبعكم وسجيتكم ، فإن قيل: مقدمة الكلام لا بد وأن تكون مناسبة للكلام ، وكون الإنسان مخلوقًا من العجل يناسب كونه معذورًا فيه فلم رتب على هذه المقدمة قوله: { فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ } قلنا: لأن العائق كلما كان أشد ، كانت القدرة عليه مخالفته أكمل ، فكأنه سبحانه نبه بهذا على أن ترك الاستعجال حالة شريفة عالية مرغوب فيها . أما القول الثاني: وهو أن المراد شخص معين فهذا فيه وجهان: أحدهما: أن المراد آدم عليه السلام ، وهو قول مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي والكلبي ومقاتل والضحاك ، وروى ابن جريج وليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: خلق الله آدم عليه السلام بعد كل شيء من آخر نهار الجمعة ، فلما دخل الروح رأسه ولم يبلغ أسفله ، قال: يا رب استعجل خلقي قبل غروب الشمس ، قال ليث: فذلك قوله تعالى: { خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ } وعن السدي لما نفخ فيه الروح فدخل في رأسه عطس ، فقالت له الملائكة: قل الحمد لله ، فقال ذلك: فقال الله له: يرحمك ربك . فلما دخل الروح في عينيه نظر إلى ثمار الجنة ، ولما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام ، فوثب قبل أن تبلغ الروح رجليه إلى ثمار الجنة . وهذا هو الذي أورث أولاده العجلة . وثانيهما: قال ابن عباس Bهما في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث والمراد بالإنسان هو ، واعلم أن القول الأول أولى لأن الغرض ذم القوم ، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا لفظ الإنسان على النوع .

المسألة الثانية: من المفسرين من أجرى هذه الآية على ظاهرها ومنهم من قلبها ، أما الأولون فلهم فيها أقوال: أحدها: قول المحققين وهو أن قوله: { خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ } أي خلق عجولًا ، وذلك على المبالغة كما قيل للرجل الذكي: هو نار تشتعل ، والعرب قد تسمي المرء بما يكثر منه فتقول: ما أنت إلا أكل ونوم ، وما هو إلا إقبال وإدبار ، قال الشاعر:

أما إذا ذكرت حتى إذا غفلت ... فإنما هي إقبال وإدبار

وهذا الوجه متأكد بقوله تعالى: { وَكَانَ الإنسان عَجُولًا } [ الإسراء: 11 ] قال المبرد: { خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ } أي من شأنه العجلة كقوله: { خَلَقَكُمْ مّن ضَعْفٍ } [ الروم: 54 ] أي ضعفاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت