في الآية مسائل:
المسألة الأولى: قوله: { فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا } فيه بحثان:
البحث الأول: قال الأكثرون إن ذلك العبد كان نبيًا واحتجوا عليه بوجوه . الأول: أنه تعالى قال: { آتيناه رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا } والرحمة هي النبوة بدليل قوله تعالى: { أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبّكَ } [ الزخرف: 32 ] وقوله: { وَمَا كُنتَ تَرْجُو أَن يلقى إِلَيْكَ الكتاب إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } [ القصص: 86 ] والمراد من هذه الرحمة النبوة ، ولقائل أن يقول نسلم أن النبوة رحمة أما لا يلزم أن يكون كل رحمة نبوة .
الحجة الثانية: قوله تعالى: { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } وهذا يقتضي أنه تعالى علمه لا بواسطة تعليم معلم ولا إرشاد مرشد وكل من علمه الله لا بواسطة البشر وجب أن يكون نبيًا يعلم الأمور بالوحي من الله . وهذا الاستدلال ضعيف لأن العلوم الضرورية تحصل ابتداء من عند الله وذلك لا يدل على النبوة .
الحجة الثالثة: أن موسى عليه السلام قال: { هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تعلمني } [ الكهف: 66 ] والنبي لا يتبع غير النبي في التعليم وهذا أيضًا ضعيف ، لأن النبي لا يتبع غير النبي في العلوم التي باعتبارها صار نبيًا أما في غير تلك العلوم فلا .
الحجة الرابعة: أن ذلك العبد أظهر الترفع على موسى حيث قال له: { وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } وأما موسى فإنه أظهر التواضع له حيث قال: { لا أَعْصِى لَكَ أمْرًا } وكل ذلك يدل على أن ذلك العالم كان فوق موسى ، ومن لا يكون نبيًا لا يكون فوق النبي وهذا أيضًا ضعيف لأنه يجوز أن يكون غير النبي فوق النبي في علوم لا تتوقف نبوته عليها . فلم قلتم إن ذلك لا يجوز فإن قالوا لأنه يوجب التنفير . قلنا فارسال موسى إلى التعلم منه بعد إنزال الله عليه التوراة وتكليمه بغير واسطة يوجب التنفير ، فإن قالوا: إن هذا لا يوجب التنفير فكذا القول فيما ذكروه .
الحجة الخامسة: احتج الأصم على نبوته بقوله في أثناء القصة: { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى } ومعناه فعلته بوحي الله ، وهو يدل على النبوة . وهذا أيضًا دليل ضعيف وضعفه ظاهر .
الحجة السادسة: ما روي أن موسى عليه السلام لما وصل إليه قال السلام عليك ، فقال وعليك السلام يا نبي بني إسرائيل . فقال موسى عليه السلام من عرفك هذا؟ قال: الذي بعثك إلي . قالوا وهذا يدل على أنه إنما عرف ذلك بالوحي والوحي لا يكون إلا مع النبوة ، ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون ذلك من باب الكرامات والإلهامات .
البحث الثاني: قال الأكثرون إن ذلك العبد هو الخضر ، وقالوا إنما سمي بالخضر لأنه كان لا يقف موقفًا إلا أخضر ذلك الموضع ، قال الجبائي قد ظهرت الرواية أن الخضر إنما بعث بعد موسى عليه السلام من بني إسرائيل . فإن صح ذلك لم يجز أن يكون هذا العبد هو الخضر . وأيضًا فبتقدير أن يكون هذا العبد هو الخضر ، وقد ثبت أنه يجب أن يكون نبيًا فهذا يقتضي أن يكون الخضر أعلى شأنًا من موسى صاحب التوراة ، لأنا قد بينا أن الألفاظ المذكورة في هذه الآيات تدل على أن ذلك كان يترفع على موسى ، وكان موسى يظهر التواضع له إلا أن كون الخضر أعلى شأنًا من موسى غير جائز لأن الخضر إما أن يقال إنه كان من بني إسرائيل أو ما كان من بني إسرائيل ، فإن قلنا: إنه كان من بني إسرائيل ( فقد ) كان من أمة موسى لقوله تعالى: حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال لفرعون: