في الآية مسائل:
المسألة الأولى: آلى يؤالي إيلاء ، وتألى يتألى تأليًا ، وائتلى يأتلي ائتلاء ، والإسم منه ألية وألوة ، كلاهما بالتشديد ، وحكى أبو عبيدة الوة والوة والوة ثلاثة لغات ، وبالجملة فالألية والقسم واليمين ، والحلف ، كلها عبارات عن معنى واحد ، وفي الحديث حكاية عن الله تعالى: « آليت أفعل خلاف المقدرين » وقال كثير:
قليل الألايا حافظ ليمينه ... فإن سبقت منه الألية برت
هذا هو معنى اللفظ بحسب أصل اللغة ، أما في عرف الشرع فهو اليمين على ترك الوطء ، كما إذا قال: والله لا أجامعك ، ولا أباضعك ، ولا أقربك ، ومن المفسرين من قال: في الآية حذف تقديره: للذين يؤلون أن يعتزلوا من نسائهم ، إلا أنه حذف لدلالة الباقي عليه ، وأنا أقول: هذا الإضمار إنما يحتاج إليه إذا حملنا لفظ الإيلاء على المعهود اللغوي ، أما إذا حملناه على المتعارف في الشرع استغنينا عن هذا الإضمار .
المسألة الثانية: روي أن الإيلاء في الجاهلية كان طلاقًا قال سعيد بن المسيب: كان الرجل لا يريد المرأة ولا يحب أن يتزوجها غيره فيحلف أن لا يقربها ، فكان يتركها بذلك لا أيما ولا ذات بعل ، والغرض منه مضارة المرأة ، ثم إن أهل الإسلام كانوا يفعلون ذلك أيضًا ، فأزال الله تعالى ذلك وأمهل للزوج مدة حتى يتروى ويتأمل ، فإن رأى المصلحة في ترك هذه المضارة فعلها ، وإن رأى المصلحة في المفارقة عن المرأة فارقها .
المسألة الثالثة: قرأ عبد الله { آلوا مِن نّسَائِهِمْ } وقرأ ابن عباس Bهما { يَقْسِمُونَ مِن نّسَائِهِمْ } .
أما قوله: { مِن نّسَائِهِمْ } ففيه سؤال ، وهو أنه يقال: المتعارف أن يقال: حلف فلان على كذا أو آلى على كذا ، فلم أبدلت لفظة على ههنا بلفظة { مِنْ } ؟ .
والجواب من وجهين: الأول: أن يراد لهم من نسائهم تربص أربعة أشهر ، كما يقال: لي منك كذا والثاني: أنه ضمن في هذا القسم معنى البعد ، فكأنه قيل: يبعدون من نسائهم مولين أو مقسمين .
أما قوله تعالى: { تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ } فاعلم أن التربص التلبث والانتظار يقال: تربصت الشيء تربصًا ، ويقال: ما لي على هذا الأمر ربصة ، أي تلبث ، وإضافة التربص إلى أربعة أشهر إضافة المصدر إلى الظرف كقوله: بينهما مسيرة يوم ، أي مسيرة في يوم ومثله كثير .
أما قوله: { فَإِن فَآءوا } فمعناه فإن رجعوا ، والفيء في اللغة هو رجوع الشيء إلى ما كان عليه من قبل ، ولهذا قيل لما تنسخه الشمس من الظل ثم يعود: فيء ، وفرق أهل العربية بين الفيء والظل ، فقالوا: الفيء ما كان بالعشي ، لأنه الذي نسخته الشمس والظل ما كان بالغداة لأنه لم تنسخه الشمس وفي الجنة ظل وليس فيها فيء ، لأنه لا شمس فيها ، قال الله تعالى: