فهرس الكتاب

الصفحة 6350 من 8321

اعلم أنه تعالى لما بيّن أن القوم بالقيامة حق وصدق ، وكان من المعلوم بالضرورة أن الإنسان لا ينتفع في يوم القيامة إلا بطاعة الله تعالى ، لا جرم كان الاشتغال بالطاعة من أهم المهمات ، ولما كان أشرف أنواع الطاعات الدعاء والتضرع ، لا جرم أمر الله تعالى به في هذه الآية فقال: { وَقَالَ رَبُّكُمْ ادعونى أَسْتَجِبْ لَكُمْ } واختلف الناس في المراد بقوله { ادعونى } فقيل إنه الأمر بالدعاء ، وقيل إنه الأمر بالعبادة ، بدليل أنه قال بعده { الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى } ولولا أن الأمر بالدعاء أمر بمطلق العبادة لما بقي لقوله { إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِى } معنى ، وأيضًا الدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن كقوله { إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إناثا } [ النساء: 117 ] وأجيب عنه بأن الدعاء هو اعتراف بالعبودية والذلة والمسكنة ، فكأنه قيل إن تارك الدعاء إنما تركه لأجل أن يستكبر عن إظهار العبودية وأجيب عن قوله إن الدعاء بمعنى العبادة كثير في القرآن ، بأن ترك الظاهرة لا يصار إليه إلا بدليل منفصل ، فإن قيل كيف قال: { ادعونى استجب لَكُمْ } وقد يدعى كثيرًا فلا يستجاب أجاب الكعبي عنه بأن قال: الدعاء إنما يصح على شرط ، ومن دعا كذلك استجيب له ، وذلك الشرط هو أن يكون المطلوب بالدعاء مصلحة وحكمة ، ثم سأل نفسه فقال: فما هو أصلح يفعله بلا دعاء ، فما الفائدة في الدعاءا وأجاب: عنه من وجهين الأول: أن فيه الفزع والانقطاع إلى الله والثاني: أن هذا أيضًا وارد على الكل ، لأنه إن علم أنه يفعله فلا بدّ وأن يفعله ، فلا فائدة في الدعاء ، وإن علم أنه لا يفعله فإنه ألبتة لا يفعله ، فلا فائدة في الدعاء ، وكل ما يقولونه ههنا فهو جوابنا ، هذا تمام ما ذكره ، وعندي فيه وجه آخر وهو أنه قال: { ادعونى استجب لَكُمْ } فكل من دعا الله وفي قلبه ذرة من الاعتماد على ماله وجاهه وأقاربه وأصدقائه وجده واجتهاده ، فهو في الحقيقة ما دعا الله إلا باللسان ، أما بالقلب فإنه معول في تحصيل ذلك المطلوب على غير الله ، فهذا الإنسان ما دعا ربه في وقت ، أما إذا دعا في وقت لا يبقى في القلب التفات إلى غير الله ، فالظاهر أنه تحصل الاستجابة ، إذا عرفت هذا ففيه بشارة كاملة ، وهي أن انقطاع القلب بالكلية عما سوى الله لا يحصل إلا عند القرب من الموت ، فإن الإنسان قاطع في ذلك الوقت بأنه لا ينفعه شيء سوى فضل الله تعالى ، فعلى القانون الذي ذكرناه وجب أن يكون الدعاء في ذلك الوقت مقبولًا عند الله ، ونرجو من فضل الله وإحسانه أن يوفقنا للدعاء المقرون بالإخلاص والتضرع في ذلك الوقت ، واعلم أن الكلام المستقصى في الدعاء قد سبق ذكره في سورة البقرة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت