فهرس الكتاب

الصفحة 7738 من 8321

اعلم أن في الآية وجهين الأول: قال ابن عباس المعنى أنه يقال لأهل الجنة بعد دخولهم فيها ، ومشاهدتهم لنعيمها: إن هذا كان لكم جزاء قد أعده الله تعالى لكم إلى هذا الوقت ، فهو كله لكم بأعمالكم على قلة أعمالكم ، كما قال حاكيًا عن الملائكة: إنهم يقولون لأهل الجنة: { سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار } [ الرعد: 24 ] وقال: { كُلُواْ واشربوا هَنِيئًَا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِى الأيام الخالية } [ الحاقة: 24 ] والغرض من ذكر هذا الكلام أن يزداد سرورهم ، فإنه يقال للمعاقب: هذا بعملك الرديء فيزداد غمه وألم قلبه ، ويقال للمثاب: هذا بطاعتك ، فيكون ذلك تهنئة له وزيادة في سروره ، والقائل بهذا التفسير جعل القول مضمرًا ، أي ويقال لهم: هذا الكلام الوجه الثاني: أن يكون ذلك إخبارًا من الله تعالى لعباده في الدنيا ، فكأنه تعالى شرح جواب أهل الجنة ، أن هذا كان في علمي وحكمي جزاء لكم يا معاشر عبادي ، لكم خلقتها ، ولأجلكم أعددتها ، وبقي في الآية سؤالان:

السؤال الأول: إذا كان فعل العبد خلقًا لله ، فكيف يعقل أن يكون فعل الله جزاء على فعل الله؟ الجواب: الجزء هو الكافي ، وذلك لا ينافي كونه فعلًا لله تعالى .

السؤال الثاني: كون سعي العبد مشكورًا لله يقتضي كون الله شاكرًا له والجواب: كون الله تعالى شاكرًا للعبد محال إلا على وجه المجاز ، وهو من ثلاثة أوجه الأول: قال القاضي: إن الثواب مقابل لعلمهم ، كما أن الشكر مقابل للنعم الثاني: قال القفال: إنه مشهور في كلام الناس ، أن يقولوا: للراضي بالقليل والمثني به إنه شكور ، فيحتمل أن يكون شكر الله لعباده هو رضاه عنهم بالقليل من الطاعات ، وإعطاؤه إياهم عليه ثوابًا كثيرًا الوجه الثالث: أن منتهى درجة العبد أن يكون راضيًا من ربه مرضيًا لربه على ما قال: { ياأيتها النفس المطمئنة * ارجعى إلى رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً } [ الفجر: 27 ، 28 ] وكونها راضية من ربه ، أقل درجة من كونها مرضية لربه ، فقوله: { إِنَّ هذا كَانَ لَكُمْ جَزَاء } إشارة إلى الأمر الذي به تصير النفس راضية من ربه وقوله: { وَكَانَ سَعْيُكُم مَّشْكُورًا } إشارة إلى كونها مرضية لربه ، ولما كانت هذه الحال أعلى المقامات وآخر الدرجات لا جرم وقع الختم عليها في ذكر مراتب أحوال الأبرار والصديقين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت