فهرس الكتاب

الصفحة 4250 من 8321

اعلم أنه تعالى لما أمر الكافرين على سبيل التهديد والوعيد بالتمتع بنعيم الدنيا ، أمر المؤمنين في هذه الآية بترك التمتع بالدنيا والمبالغة في المجاهدة بالنفس والمال ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قرأ حمزة والكسائي { لِّعِبَادِىَ } بسكون الياء ، والباقون: بفتح الياء لالتقاء الساكنين فحرك إلى النصب .

المسألة الثانية: في قوله: { يُقِيمُواْ } وجهان: الأول: يجوز أن يكون جوابًا لأمر محذوف هو المقول تقديره: قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا الصلاة وأنفقوا يقيموا الصلاة وينفقوا . الثاني: يجوز أن يكون هو أمرًا مقولًا محذوفًا منه لام الأمر ، أي ليقيموا كقولك: قل لزيد ليضرب عمرًا وإنما جاز حذف اللام ، لأن قوله: { قُلْ } عوض منه ولو قيل ابتداء يقيموا الصلاة لم يجز .

المسألة الثالثة: أن الإنسان بعد الفراغ من الإيمان لا قدرة له على التصرف في شيء إلا في نفسه أو في ماله . أما النفس فيجب شغلها بخدمة المعبود في الصلاة وأما المال فيجب صرفه إلى البذل في طاعة الله تعالى . فهذه الثلاثة هي الطاعات المعتبرة ، وهي الإيمان والصلاة والزكاة وتمام ما يجب أن يقال في هذه الأمور الثلاثة ذكرناه في قوله تعالى: { الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب وَيُقِيمُونَ الصلاة وَمِمَّا رزقناهم يُنفِقُونَ } [ البقرة: 3 ] .

المسألة الرابعة: قالت المعتزلة: الآية تدل على أن الرزق لا يكون حرامًا ، لأن الآية دلت على أن الانفاق من الرزق ممدوح ، ولا شيء من الانفاق من الحرام بممدوح فينتج أن الرزق ليس بحرام . وقد مر تقرير هذا الكلام مرارًا .

المسألة الخامسة: في انتصاب قوله: { سِرًّا وَعَلاَنِيَةً } وجوه: أحدها: أن يكون على الحال أي ذوي سر وعلانية بمعنى مسرين ومعلنين . وثانيها: على الظرف أي وقت سر وعلانية . وثالثها: على المصدر أي انفاق سر وانفاق علانية والمراد إخفاء التطوع وإعلان الواجب .

واعلم أنه تعالى لما أمر بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة قال: { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خلال } قال أبو عبيدة: البيع ههنا الفداء والخلال المخالة ، وهو مصدر من خاللت خلالًا ومخالة ، وهي المصادقة . قال مقاتل: إنما هو يوم لا بيع فيه ولا شراء ولا مخالة ولا قرابة ، فكأنه تعالى يقول: أنفقوا أموالكم في الدنيا حتى تجدوا ثواب ذلك الإنفاق في مثل هذا اليوم الذي لا تحصل فيه مبايعة ولا مخالة . ونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة البقرة: { لاَّ بَيْعٌ فِيهِ وَلاَ خُلَّةٌ وَلاَ شفاعة } [ البقرة: 254 ] .

فإن قيل: كيف نفى المخالة في هاتين الآيتين ، مع أنه تعالى أثبتها في قوله: { الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين } [ الزخرف: 67 ] .

قلنا: الآية الدالة على نفي المخالة محمولة على نفي المخالة بسبب ميل الطبيعة ورغبة النفس ، والآية الدالة على ثبوت المخالة محمولة على حصول المخالة الحاصلة بسبب عبودية الله تعالى ومحبة الله تعالى ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت