وفيه مسائل:
المسألة الأولى: مذبذبين . إما حال من قوله { يراؤن } أو من قوله { لاَ يَذْكُرُونَ الله إِلاَّ قَلِيلًا } [ النساء: 142 ] ويحتمل أن يكون منصوبًا على الذم .
المسألة الثانية: مذبذبين: أي متحيرين ، وحقيقة المذبدب الذي يذب عن كلا الجانبين ، أي يرد ويدفع فلا يقر في جانب واحد ، إلا أن الذبذبة فيها تكرير وليس في الذب ، فكان المعنى كلما مال إلى جانب ذب عنه .
وأعلم أن السبب في ذلك أن الفعل يتوقف على الداعي ، فإن كان الداعي إلى الفعل هو الأغراض المتعلقة بأحوال هذا العالم كثر التذبذب والاضطراب ، لأن منافع هذا العالم وأسبابه متغيرة سريعة التبدل ، وإذا كان الفعل تبعًا للداعي ، والداعي تبعًا للمقصود ثم إن المقصود سريع التبدل والتغير لزم وقوع التغير في الميل والرغبة ، وربما تعارضت الدواعي والصوارف فيبقى الإنسان في الحيرة والتردد . أما من كان مطلوبه في فعله إنشاء الخيرات الباقية ، واكتساب السعادات الروحانية ، وعلم أن تلك المطالب أمور باقية بريئة عن التغير والتبدل لا جرم كان هذا الإنسان ثابتًا راسخًا فلهذا المعنى وصف الله تعالى أهل الإيمان بالثبات فقال { يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ } [ إبراهيم: 27 ] وقال { أَلاَ بِذِكْرِ الله تَطْمَئِنُّ القلوب } [ الرعد: 28 ] وقال: { يأَيَّتُهَا النفس المطمئنة } [ الفجر: 26 ] .
المسألة الثالثة: قرأ ابن عباس { مُّذَبْذَبِينَ } بكسر الذال الثانية ، والمعنى يذبذبون قلوبهم أو دينهم أو رأيهم ، بمعنى يتذبذبون كما جاء صلصل وتصلصل بمعنى ، وفي مصحف عبد الله بن مسعود: متذبذبين ، وعن أبي جعفر: مدبدبين بالدال المهملة ، وكأن المعنى أنهم تارة يكونون في دبة وتارة في أخرى ، فلا يبقون على دبة واحدة والدبة الطريقة وهي التي تدب فيها الدواب .
المسألة الرابعة: قوله { بَيْنَ ذلك } أي بين الكفر والإيمان ، أو بين الكافرين والمؤمنين ، وكلمة { ذلك } يشار به إلى الجماعة ، وقد تقدم تقريره في تفسير قوله { عَوَانٌ بَيْنَ ذلك } [ البقرة: 68 ] وذكر الكافرين والمؤمنين قد جرى في هذه القصة عند قوله { الذين يَتَّخِذُونَ الكافرين أَوْلِيَاء مِن دُونِ المؤمنين } [ النساء: 139 ] وإذا جرى ذكر الفريقين فقد جرى ذكر الكفر والإيمان قال قتادة: معنى الآية ليسوا مؤمنين مخلصين ولا مشركين مصرحين بالشرك .
المسألة الخامسة: احتج أصحابنا بهذه الآية على أن الحيرة في الدين إنما تحصل بإيجاد الله تعالى وقالوا: إن قوله { مُّذَبْذَبِينَ } يقتضي فاعلًا قد ذبذبهم وصيرهم متحيرين مترددين ، وذلك ليس باختيار العبد ، فإن الإنسان إذا وقع في قلبه الدواعي المتعارضة الموجبة للتردد والحيرة ، فلو أراد أن يدفع ذلك التردد عن نفسه لم يقدر عليه أصلًا ، ومن رجع إلى نفسه وتأمل في أحواله علم أن الأمر كما ذكرنا ، وإذا كانت تلك الذبذبة لا بدّ لها من فاعل ، وثبت أن فاعلها ليس هو العبد ثبت أن فاعلها هو الله تعالى ، فثبت أن الكل من الله تعالى .