فهرس الكتاب

الصفحة 3886 من 8321

اعلم أن الكفار كانت لهم عادات كثيرة وطرق مختلفة ، فمنها شدة حرصهم على الدنيا ورغبتهم في تحصيلها ، وقد أبطل الله هذه الطريقة بقوله: { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا } [ هود: 15 ] إلى آخر الآية ، ومنها أنهم كانوا ينكرون نبوة الرسول A ، ويقدحون في معجزاته ، وقد أبطل الله تعالى بقوله: { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } [ هود: 17 ] ومنها أنهم كانوا يزعمون في الأصنام أنها شفعاؤهم عند الله ، وقد أبطل الله تعالى ذلك بهذه الآية ، وذلك لأن هذا الكلام افتراء على الله تعالى ، فلما بين وعيد المفترين على الله ، فقد دخل فيه هذا الكلام .

واعلم أن قوله: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا } إنما يورد في معرض المبالغة . وفيه دلالة على أن الافتراء على الله تعالى أعظم أنواع الظلم .

ثم إنه تعالى بين وعيد هؤلاء بقوله: { أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ } وما وصفهم بذلك لأنهم مختصون بذلك العرض ، لأن العرض عام في كل العباد كما قال: { وَعُرِضُواْ على رَبّكَ صَفَّا } [ الكهف: 48 ] وإنما أراد به أنهم يعرضون فيفتضحون بأن يقول الأشهاد عند عرضهم { هَؤُلاء الذين كَذَبُواْ على رَبّهِمْ } فحصل لهم من الخزي والنكال مالا مزيد عليه ، وفيه سؤالات:

السؤال الأول: إذا لم يجز أن يكون الله تعالى في مكان ، فكيف قال: { يُعْرَضُونَ على رَبّهِمْ } والجواب: أنهم يعرضون على الأماكن المعدة للحساب والسؤال ، ويجوز أيضًا أن يكون ذلك عرضًا على من شاء الله من الخلق بأمر الله من الملائكة والأنبياء والمؤمنين .

السؤال الثاني: من الأشهاد الذين أضيف إليهم هذا القول؟

الجواب قال مجاهد: هم الملائكة الذين كانوا يحفظون أعمالهم عليهم في الدنيا . وقال قتادة ومقاتل: { الأشهاد } الناس كما يقال على رؤوس الأشهاد ، يعني على رؤوس الناس . وقال الآخرون: هم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . قال الله تعالى: { فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين } [ الأعراف: 6 ] والفائدة في اعتبار قول الأشهاد المبالغة في إظهار الفضيحة .

السؤال الثالث: الأشهاد جمع فما واحده؟

والجواب: يجوز أن يكون جمع شاهد مثل صاحب وأصحاب ، وناصر وأنصار ، ويجوز أن يكون جمع شهيد مثل شريف وأشراف . قال أبو علي الفارسي: وهذا كأنه أرجح ، لأن ما جاء من ذلك في التنزيل جاء على فعيل ، كقوله: { وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [ البقرة: 143 ] { وجِئْنَا بِك على هَؤُلاء شَهِيدًا } [ النساء: 41 ] ثم لما أخبر عن حالهم في عذاب القيامة أخبر عن حالهم في الحال فقال: { أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } وبين أنهم في الحال لملعونون من عند الله ، ثم ذكر من صفاتهم أنهم يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا يعني أنهم كما ظلموا أنفسهم بالتزام الكفر والضلال ، فقد أضافوا إليه المنع من الدين الحق وإلقاء الشبهات ، وتعويج الدلائل المستقيمة ، لأنه لا يقال في العاصي يبغي عوجًا ، وإنما يقال ذلك فيمن يعرف كيفية الاستقامة ، وكيفية العوج بسبب إلقاء الشبهات وتقرير الضلالات .

ثم قال: { وَهُمْ بالأخرة هُمْ كافرون } قال الزجاج: كلمة «هم» كررت على جهة التوكيد لثباتهم في الكفر .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت