قال صاحب «الكشاف» { ذلك } خبر مبتدأ محذوف أي الأمر والشأن ذلك كما يقدم الكاتب جملة من كلامه في بعض المعاني فإذا أراد الخوض في معنى آخر قال هذا وقد كان كذا ، والحرمة ما لا يحل هتكه وجميع ما كلفه الله تعالى بهذه الصفة من مناسك الحج وغيرها يحتمل أن يكون عامًا في جميع تكاليفه ، ويحتمل أن يكون خاصًا فيما يتعلق بالحج ، وعن زيد بن أسلم الحرمات خمس: الكعبة الحرام والمسجد الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمشعر الحرام ، وقال المتكلمون ولا تدخل النوافل في حرمات الله تعالى: { فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ } أي فالتعظيم خير له للعلم بأنه يجب القيام بمراعاتها وحفظها ، وقوله: { عِندَ رَبّهِ } يدل على الثواب المدخر لأنه لا يقال عند ربه فيما قد حصل من الخيرات ، قال الأصم فهو خير له من التهاون بذلك ، ثم إنه تعالى عاد إلى بيان حكم الحج فقال: { وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنعام } فقد كان يجوز أن يظن أن الإحرام إذا حرم الصيد وغيره فالأنعام أيضًا تحرم فبين الله تعالى أن الإحرام لا يؤثر فيها فهي محللة ، واستثنى منه ما يتلى في كتاب الله من المحرمات من النعم وهو المذكور في سورة المائدة وهو قوله تعالى: { غَيْرَ مُحِلّي الصيد وَأَنتُمْ حُرُمٌ } [ المائدة: 1 ] وقوله: { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ } [ المائدة: 3 ] وقوله: { وَلاَ تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسم الله عَلَيْهِ } [ الأنعام: 121 ] ، ثم إنه سبحانه لما حث على تعظيم حرماته وحمد من يعظمها أتبعه بالأمر باجتناب الأوثان وقول الزور . لأن توحيد الله تعالى وصدق القول أعظم الخيرات ، وإنما جمع الشرك وقول الزور في سلك واحد لأن الشرك من باب الزور ، لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة فكأنه قال فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور ، واجتنبوا قول الزور كله ، ولا تقربوا منه شيئًا لتماديه في القبح والسماجة ، وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان وسمى الأوثان رجسًا لا للنجاسة ، لكن لأن وجوب تجنبها أوكد من وجوب تجنب الرجس ولأن عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات . ثم قال الأصم إنما وصفها بذلك لأن عادتهم في المتقربات أن يتعمدوا سقوط الدماء عليها وهذا بعيد وقيل إنه إنما وصفها بذلك استحقارًا واستخفافًا وهذا أقرب ، وقوله: { مِنَ الأوثان } بيان للرجس وتمييز له كقوله عندي عشرون من الدراهم لأن الرجس لما فيه من الإيهام يتناول كل شيء ، فكأنه قال فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان ، وليس المراد أن بعضها ليس كذلك ، والزور من الزور والإزورار وهو الانحراف ، كما أن الإفك من أفكه إذا صرفه ، والمفسرون ذكروا في قول الزور وجوهًا: أحدها: أنه قولهم هذا حلال وهذا حرام وما أشبه ذلك من افترائهم وثانيها: شهادة الزور عن النبي A: