في الآية مسائل:
المسألة الأولى: قرأ ابن كثير { واللذان } و { هذان } [ الحج: 19 ] مشددة النون ، والباقون بالتخفيف ، وأما أبو عمرو فانه وافق ابن كثير في قوله: { فَذَانِكَ } [ القصص: 32 ] أما وجه التشديد قال ابن مقسم: إنما شدد ابن كثير هذه النونات لأمرين: أحدهما: الفرق بين تثنية الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة ، والآخر: أن «الذي وهذا» مبنيان على حرف واحد وهو الذال ، فأرادوا تقوية كل واحد منهما بأن زادوا على نونها نونا أخرى من جنسها ، وقال غيره: سبب التشديد فيها ان النون فيها ليست نون التثنية ، فأراد أن يفرق بينها وبين نون التثنية ، وقيل زادوا النون تأكيدا ، كما زادوا اللام ، وأما تخصيص أبي عمرو التعويض في المبهمة دون الموصولة ، فيشبه أن يكون ذلك لما رأى من أن الحذف للمبهمة ألزم ، فكان استحقاقها العوض أشد .
المسألة الثانية: الذين قالوا: ان الآية الأولى في الزناة قالوا: هذه الآية أيضا في الزناة فعند هذا اختلفوا في أنه ما السبب في هذا التكرير وما الفائدة فيه؟ وذكروا فيه وجوها: الأول: أن المراد من قوله: { واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ } [ النساء: 15 ] المراد منه الزواني ، والمراد من قوله: { واللذان يأتيانها مِنكُمْ } الزناة ، ثم انه تعالى خص الحبس في البيت بالمرأة وخص الايذاء بالرجل ، والسبب فيه أن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز ، فاذا حبست في البيت انقطعت مادة هذه المعصية ، وأما الرجل فانه لا يمكن حبسه في البيت ، لأنه يحتاج إلى الخروج في إصلاح معاشه وترتيب مهماته واكتساب قوت عياله ، فلا جرم جعلت عقوبة المرأة الزانية الحبس في البيت ، وجعلت عقوبة الرجل الزاني أن يؤذى ، فاذا تاب ترك إيذاؤه ، ويحتمل أيضًا أن يقال إن الايذاء كان مشتركا بين الرجل والمرأة ، والحبس كان من خواص المرأة ، فاذا تابا أزيل الايذاء عنهما وبقي الحبس على المرأة ، وهذا أحسن الوجوه المذكورة . الثاني: قال السدي: المراد بهذه الآية البكر من الرجل والنساء ، وبالآية الأولى الثيب ، وحينئذ يظهر التفاوت بين الآيتين . قالوا: ويدل على هذا التفسير وجوه: الأول: أنه تعالى قال: { واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ } فأضافهن إلى الأزواج . والثاني: أنه سماهن نساء وهذا الاسم أليق بالثيب . والثالث: أن الأذى أخف من الحبس في البيت والأخف للبكر دون الثيب . والرابع: قال الحسن: هذه الآية نزلت قبل الآية المتقدمة والتقدير: واللذان يأتيان الفاحشة من النساء والرجال فآذوهما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما . ثم نزل قوله: { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِى البيوت } [ النساء: 15 ] يعني إن لم يتوبا وأصرا على هذا الفعل القبيح فأمسكوهن في البيوت إلى أن يتبين لكم أحوالهن ، وهذا القول عندي في غاية البعد ، لأنه يوجب فساد الترتيب في هذه الآيات . الخامس: ما نقلناه عن أبي مسلم أن الآية الأولى في السحاقات ، وهذه في أهل اللواط وقد تقدم تقريره . والسادس: أن يكون المراد هو أنه تعالى بين في الآية الأولى أن الشهداء على الزنا لا بد وأن يكونوا أربعة ، فبين في هذه الآية أنهم لو كانوا شاهدين فآذوهما وخوفوهما بالرفع إلى الامام والحد ، فان تابا قبل الرفع إلى الامام فاتركوهما .