دليلًا على كذبهم وصدق الرسل في الحشر لأن قوله: { ءَأنتُمْ تَخْلُقُونَهُ } إلزام على الإقرار بأن الخالق في الابتداء هو الله تعالى ، ولما كان قادرًا على الخلق أولًا كان قادرًا على الخلق ثانيًا ، ولا مجال للنظر في ذاته وصفاته تعالى وتقدس ، وإن لم يعترفوا به ، بل يشكون ويقولن: الخلق الأول من مني بحسب الطبيعة ، فنقول: المنى من الأمور الممكنة ولا وجود للممكن بذاته بل بالغير على ما عرف ، فيكون المنى من القادر القاهر ، وكذلك خلق الطبيعة وغيرها من الحادثات أيضًا ، فقال لهم: هل تشكون في أن الله خلقكم أولًا أم لا؟ فإن قالوا: لا نشك في أنه خالقًا ، فيقال: فهل تصدقون أيضًا بخلقكم ثانيًا؟ فإن من خلقكم أولًا من لا شيء لا يعجز أن يخلقكم ثانيًا من أجزاء هي عنده معلومة ، وإن كنتم تشكون وتقولون: الخلق لا يكون إلا من مني وبعد الموت لا والده ولا مني ، فيقال لهم: هذا المني أنتم تخلقونه أم الله ، فإن كنتم تعترفون بالله وبقدرته وإرادته وعمله ، فذلك يلزمكم القول بجواز الحشر وصحته ، و ( لولا ) كلمة مركبة من كلمتين معناها التحضيض والحث والأصل فيه: لم لا ، فإذا قلت: لم لا أكلت ولم ما أكلت ، جاز الاستفهامان ، فإن معناه لا علة لعدم الأكل ولا يمكنك أن تذكر علة له ، كما تقول: لم فعلت؟ موبخًا ، يكون معناه فعلت أمرًا لا سبب له ولا يمكنك ذكر سبب له ثم إنهم تركوا حرف الاستفهام عن العلة وأتوا بحرف الاستفهام عن الحكم ، فقالوا: هلا فعلت؟ كما يقولون في موضع: لم فعلت هذا وأنت تعلم فساده ، أتفعل هذا وأنت عاقل؟ وفيه زيادة حث لأن قول القائل: لم فعلت حقيقته سؤال عن العلة ، ومعناه أن علته غير معلومة وغير ظاهرة ، فلا يجوز ظهور وجوده ، وقوله: أفعلت ، سؤال عن حقيقته ، ومعناه أنه في جنسه غير ممكن ، والسائل عن العلة كأنه سلم الوجود وجعله معلومًا وسأل عن العلة كما يقول القائل: زيد جاء فلم جاء ، والسائل عن الوجود لم يسلمه ، وقول القائل: لم فعلت وأنت تعلم ما فيه دون قوله: أفعلت وأنت تعلم ما فيه ، لأن في الأول جعله كالمصيب في فعله لعلة خفية تطلب منه ، وفي الثاني جعله مخطئًا في أول الأمر ، وإذا علم ما بين لم فعلت ، وأفعلت ، علم ما بين لم تفعل وهلا تفعل ، وأما ( لولا ) فنقول: هي كلمة شرط في الأصل والجملة الشرطية غير مجزومة بها كما أن جملة الاستفهام غير مجزوم به لكن لولا تدل على الاعتساف وتزيد نفي النظر والتواني ، فيقول: لولا تصدقون ، بدل قوله: لم لا ، وهلا ، لأنه أدل على نفي ما دخلت عليه وهو عدم التصديق وفيه لطيفة: وهي أن لولا تدخل على فعل ماض على مستقبل قال تعالى: