اعلم أنه تعالى حكى عنهم في الآية الأولى أنهم لجهلهم أسندوا حوادث هذا العالم لا إلى قضاء الله تعالى وقدره ، فحكى عنهم في هذه الآية نوعًا آخر من أنواع الجهالة والضلالة ، وهو أنهم لم يميزوا بين المعجزات وبين السحر ، وجعلوا جملة الآيات مثل انقلاب العصا حية من باب السحر منهم . وقالوا لموسى: إنا لا نقبل شيئًا منها ألبتة . وفي الآية مسائل:
المسألة الأولى: في كلمة { مَهْمَا } قولان: الأول: أن أصلها «ماما» الأولى هي «ما» الجزاء ، والثانية هي التي تزاد توكيدًا للجزاء ، كما تزاد في سائر حروف الجزاء ، كقولهم: إما ومما وكيفما قال الله تعالى: { فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ } [ الأنفال: 59 ] وهو كقولك: إن تثقفنهم ، ثم أبدلوا من ألف «ما» الأولى «ها» كراهة لتكرار اللفظ ، فصار «مهما» هذا قول الخليل والبصريين . والثاني: وهو قول الكسائي الأصل «مه» التي بمعنى الكف ، أي أكفف دخلت على «ما» التي للجزاء كأنهم قالوا أكفف ما تأتنا به من آية فهو كذا وكذا .
المسألة الثانية: قال ابن عباس: أن القوم لما قالوا لموسى: مهما أتيتنا بآية من ربك ، فهي عندنا من باب السحر ، ونحن لا نؤمن بها ألبتة ، وكان موسى عليه السلام رجلًا حديدًا ، فعند ذلك دعا عليهم فاستجاب الله له ، فأرسل عليهم الطوفان الدائم ليلًا ونهارًا سبتًا إلى سبت ، حتى كان الرجل منهم لا يرى شمسًا ولا قمرًا ولا يستطيع الخروج من داره وجاءهم الغرق ، فصرخوا إلى فرعون واستغاثوا به ، فأرسل إلى موسى عليه السلام وقال: اكشف عنا العذاب فقد صارت مصر بحرًا واحدًا ، فإن كشفت هذا العذاب آمنا بك ، فأزال الله عنهم المطر وأرسل الرياح فجففت الأرض ، وخرج من النبات ما لم يروا مثله قط . فقالوا: هذا الذي جزعنا منه خير لنا لكنا لم نشعر . فلا والله لا نؤمن بك ولا نرسل معك بني إسرائيل فنكثوا العهد ، فأرسل الله عليهم الجراد ، فأكل النبات وعظم الأمر عليهم حتى صارت عند طيرانها تغطي الشمس ، ووقع بعضها على بعض في الأرض ذراعًا ، فأكلت النبات ، فصرخ أهل مصر ، فدعا موسى عليه السلام فأرسل الله تعالى ريحًا فاحتملت الجراد فألقته في البحر ، فنظر أهل مصر إلى أن بقية من كلئهم وزرعهم تكفيهم . فقالوا: هذا الذي بقي يكفينا ولا نؤمن بك . فأرسل الله بعد ذلك عليهم القمل ، سبتًا إلى سبت ، فلم يبق في أرضهم عود أخضر إلا أكلته ، فصاحوا وسأل موسى عليه السلام ربه ، فأرسل الله عليها ريحًا حارة فأحرقتها ، واحتملتها الريح فألقتها في البحر ، فلم يؤمنوا ، فأرسل الله عليهم الضفادع بعد ذلك فخرج من البحر مثل الليل الدامس ووقع في الثياب والأطعمة ، فكان الرجل منهم يسقط وعلى رأسه ذراع من الضفادع ، فصرخوا إلى موسى عليه السلام ، وحلفوا بإلهه لئن رفعت عنا هذا العذاب لنؤمنن بك ، فدعا الله تعالى فأمات الضفادع ، وأرسل عليها المطر فاحتملها إلى البحر ، ثم أظهروا الكفر والفساد ، فأرسل الله عليهم الدم فجرت أنهارهم دمًا فلم يقدروا على الماء العذب ، وبنو إسرائيل يجدون الماء العذب الطيب حتى بلغ منهم الجهد ، فصرخوا وركب فرعون وأشراف قومه إلى أنهار بني إسرائيل فجعل يدخل الرجل منهم النهر فإذا اغترف صار في يده دمًا ومكثوا سبعة أيام في ذل لا يشربون إلا الدم . فقال فرعون: