فهرس الكتاب

الصفحة 3651 من 8321

قال المفسرون: إن المنافقين لما بنوا ذلك المسجد لتلك الأغراض الفاسدة عند ذهاب رسول الله A إلى غزوة تبوك ، قالوا: يا رسول الله بنينا مسجدًا لذي العلة والليلة الممطرة والشاتية ، ونحن نحب أن تصلي لنا فيه وتدعو لنا بالبركة . فقال عليه السلام: إني على جناح سفر وإذا قدمنا إن شاء الله صلينا فيه ، فلما رجع من غزوة تبوك سألوه إتيان المسجد فنزلت هذه الآية ، فدعا بعض القوم وقال: انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله ، فاهدموه وخربوه ، ففعلوا ذلك وأمر أن يتخذ مكانه كناسة يلقي فيها الجيف والقمامة . وقال الحسن: هم رسول الله A أن يذهب إلى ذلك المسجد فنادى جبريل عليه السلام لا تقم فيه أبدًا .

إذا عرفت هذا فنقول: قوله: { لاَ تَقُمْ فِيهِ } نهي له عليه السلام عن أن يقوم فيه . قال ابن جريج: فرغوا من إتمام ذلك المسجد يوم الجمعة ، فصلوا فيه ذلك اليوم ويوم السبت والأحد ، وانهار في يوم الاثنين . ثم إنه تعالى بين العلة في هذا النهي ، وهي أن أحد المسجدين لما كان مبنيًا على التقوى من أول يوم ، وكانت الصلاة في مسجد آخر تمنع من الصلاة في مسجد التقوى ، كان من المعلوم بالضرورة أن يمنع من الصلاة في المسجد الثاني .

فإن قيل: كون أحد المسجدين أفضل لا يوجب المنع من إقامة الصلاة في المسجد الثاني .

قلنا: التعليل وقع بمجموع الأمرين ، أعني كون مسجد الضرار سببًا للمفاسد الأربعة المذكورة ، ومسجد التقوى مشتملًا على الخيرات الكثيرة . ومن الروافض من يقول: بين الله تعالى أن المسجد الذي بني من أول الأمر على التقوى أحق بالقيام فيه من المسجد الذي لا يكون كذلك . وثبت أن عليًا ما كفر بالله طرفة عين ، فوجب أن يكون أولى بالقيام بالإمامة ممن كفر بالله في أول أمره . وجوابنا أن التعليل وقع بمجموع الأمور المذكورة ، فزال هذا السؤال . واختلفوا في أن مسجد التقوى ما هو؟ قيل: إنه مسجد قباء ، وكان عليه السلام يأتيه في كل سنة فيصلي فيه ، والأكثرون أنه مسجد رسول الله A ، وقال سعيد بن المسيب: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد الرسول عليه السلام ، وذكر أن الرجلين اختلفا فيه ، فقال أحدهما: مسجد الرسول ، وقال آخر: قباء . فسألاه عليه السلام فقال هو مسجدي هذا . وقال القاضي: لا يمنع دخولهما جميعًا تحت هذا الذكر لأن قوله: { لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التقوى } هو كقول القائل ، لرجل صالح أحق أن تجالسه . فلا يكون ذلك مقصورًا على واحد .

فإن قيل: لم قال أحق أن تقوم فيه ، مع أنه لا يجوز قيامه في الآخر؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت