ثم قال تعالى: { يَوْمَ تَرَى المؤمنين والمؤمنات يسعى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: { يَوْمَ تَرَى } ظرف لقوله: { وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ } [ الحديد: 11 ] أو منصوب بأذكر تعظيمًا لذلك اليوم .
المسألة الثانية: المراد من هذا اليوم هو يوم المحاسبة ، واختلفوا في هذا النور على وجوه: أحدها: قال قوم: المراد نفس النور على ما روي عن رسول الله A: « أن كل مثاب فإنه يحصل له النور على قدر عمله وثوابه في العظم والصغر » فعلى هذا مراتب الأنوار مختلفة فمنهم من يضيء له نور كما بين عدن إلى صنعاء ، ومنهم من نوره مثل الجبل ، ومنهم من لا يضيء له نور إلا موضع قدميه ، وأدناهم نورًا من يكون نوره على إبهامه ينطفىء مرة ويتقد أخرى ، وهذا القول منقول عن ابن مسعود ، وقتادة وغيرهما ، وقال مجاهد: ما من عبد إلا وينادي يوم القيامة يا فلان ها نورك ، ويا فلان لا نور لك ، نعوذ بالله منه ، واعلم أنا بينا في سورة النور ، أن النور الحقيقي هو الله تعالى ، وأن نور العلم الذي هو نور البصيرة أولى بكونه نورًا من نور البصر ، وإذا كان كذلك ظهر أن معرفة الله هي النور في القيامة فمقادير الأنوار يوم القيامة على حسب مقادير المعارف في الدنيا القول الثاني: أن المراد من النور ما يكون سببًا للنجاة ، وإنما قال: { بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم } لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين ، كماأن الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ، ووراء ظهورهم القول الثالث: المراد بهذا النور الهداية إلى الجنة ، كما يقال ليس لهذا الأمر نور ، إذا لم يكن المقصود حاصلًا ، ويقال: هذا الأمر له نور ورونق ، إذا كان المقصود حاصلًا .
المسألة الثالثة: قرأ سهل بن شعيب { وبإيمانهم } بكسر الهمزة ، والمعنى يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم حصل ذلك السعي ، ونظيره قوله تعالى: { ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ } [ الحج: 10 ] أي ذلك كائن بذلك .
ثم قال تعالى: { بُشْرَاكُمُ اليوم جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خالدين فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم } وفيه مسائل:
المسألة الأولى: حقيقة البشارة ذكرناها في تفسير قوله: { وَبَشّرِ الذين ءَامَنُواْ } [ البقرة: 25 ] ثم قالوا: تقدير الآية وتقول لهم الملائكة بشراكم اليوم ، كما قال: { والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ * سلام عَلَيْكُمُ } [ الرعد: 23 ، 24 ] .
المسألة الثانية: دلت هذه الآية على أن المؤمنين لا ينالهم أهوال يوم القيامة لأنه تعالى بين أن هذه صفتهم يوم القيامة من غير تخصيص .
المسألة الثالثة: احتج الكعبي على أن الفاسق ليس بمؤمن فقال: لو كان مؤمنًا لدخل تحت هذه البشارة ، ولو كان كذلك لقطع بأنه من أهل الجنة ، ولما لم يكن كذلك ثبت أنه ليس بمؤمن والجواب: أن الفاسق قاطع بأنه من أهل الجنة لأنه إما أن لا يدخل النار أو إن دخلها لكنه سيخرج منها وسيدخل الجنة ويبقى فيها أبد الآباد ، فهو إذن قاطع بأنه من أهل الجنة ، فسقط هذا الاستدلال .
المسألة الرابعة: قوله: { ذلك } عائد إلى جميع ما تقدم وهو النور والبشرى بالجنات المخلدة .
المسألة الخامسة: قرىء: ( ذلك الفوز ) ، بإسقاط كلمة: هو .
واعلم أنه تعالى لما شرح حال المؤمنين في موقف القيامة أتبع ذلك بشرح حال المنافقين . فقال: