فهرس الكتاب

الصفحة 2185 من 8321

اعلم أن في النظم وجهين: الأول: قال القفال C: إنه تعالى لما نهاهم في الآية المتقدمة عن أكل الأموال بالباطل ، وعن قتل النفس ، أمرهم في هذه الآية بما سهل عليهم ترك هذه المنهيات ، وهو أن يرضى كل أحد بما قسم الله له ، فانه إذا لم يرض بذلك وقع في الحسد ، وإذا وقع في الحسد وقع لا محالة في أخذ الأموال بالباطل وفي قتل النفوس ، فإما إذا رضي بما قدر الله أمكنه الاحتراز عن الظلم في النفوس وفي الأموال .

الوجه الثاني: في كيفية النظم: هو أن أخذ المال بالباطل وقتل النفس ، من أعمال الجوارح فأمر أولا بتركهما ليصير الظاهر طاهرًا عن الأفعال القبيحة ، وهو الشريعة . ثم أمر بعده بترك التعرض لنفوس الناس وأموالهم بالقلب على سبيل الحسد ، ليصير الباطن طاهرا عن الاخلاق الذميمة ، وذلك هو الطريقة . ثم في الآية مسائل:

المسألة الأولى: التمني عندنا عبارة عن إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون ، ولهذا قلنا: إنه تعالى لو أراد من الكافر أن يؤمن مع علمه بأنه لا يؤمن لكان متمنيا . وقالت المعتزلة: النهي عن قول القائل: ليته وجد كذا ، أو ليته لم يوجد كذا ، وهذا بعيد لأن مجرد اللفظ إذا لم يكن له معنى لا يكون تمنيا ، بل لا بد وأن يبحث عن معنى هذا اللفظ ، ولا معنى له إلا ما ذكرناه من إرادة ما يعلم أو يظن أنه لا يكون .

المسألة الثانية: اعلم أن مراتب السعادات إما نفسانية ، أو بدنية ، أو خارجية .

أما السعادات النفسانية فنوعان: أحدهما: ما يتعلق بالقوة النظرية ، وهو: الذكاء التام والحدس الكامل ، والمعارف الزائدة على معارف الغير بالكمية والكيفية . وثانيهما: ما يتعلق بالقوة العملية ، وهي: العفة التي هي وسط بين الخمود والفجور ، والشجاعة التي هي وسط بين التهور والجبن ، واستعمال الحكمة العملية الذي هو توسط بين البله والجربزة ، ومجموع هذه الأحوال هو العدالة .

وأما السعادات البدنية: فالصحة والجمال ، والعمر الطويل في ذلك مع اللذة والبهجة .

وأما السعادات الخارجية: فهي كثرة الأولاد الصلحاء ، وكثرة العشائر ، وكثرة الأصدقاء والأعوان ، والرياسة التامة ، ونفاذ القول ، وكونه محبوبا للخلق حسن الذكر فيهم ، مطاع الأمر فيهم ، فهذا هو الاشارة الى مجامع السعادات ، وبعضها فطرية لا سبيل للكسب فيه ، وبعضها كسبية ، وهذا الذي يكون كسبيا متى تأمل العاقل فيه يجده أيضا محض عطاء الله ، فانه لا ترجيح للدواعي وإزالة العوائق وتحصيل الموجبات ، وإلا فيكون سبب السعي والجد مشتركا فيه ، ويكون الفوز بالسعادة والوصول إلى المطلوب غير مشترك فيه ، فهذا هو أقسام السعادات التي يفضل الله بعضهم على بعض فيها .

المسألة الثانية: أن الإنسان إذا شاهد أنواع الفضائل حاصلة لإنسان ، ووجد نفسه خاليا عن جملتها أو عن أكثرها ، فحينئذ يتألم قلبه ويتشوش خاطره ، ثم يعرض ههنا حالتان: إحداهما: أن يتمنى زوال تلك السعادات عن ذلك الإنسان ، والأخرى: أن لا يتمنى ذلك ، بل يتمنى حصول مثلها له . أما الأول فهو الحسد المذموم ، لأن المقصود الأول لمدبر العالم وخالقه: الإحسان إلى عبيده والجود اليهم وإفاضة أنواع الكرم عليهم ، فمن تمنى زوال ذلك فكأنه اعترض على الله تعالى فيما هو المقصود بالقصد الأول من خلق العالم وإيجاد المكلفين ، وأيضا ربما اعتقد في نفسه أنه أحق بتلك النعم من ذلك الإنسان فيكون هذا اعتراضا على الله وقدحا في حكمته ، وكل ذلك مما يلقيه في الكفر وظلمات البدعة ، ويزيل عن قلبه نور الإيمان ، وكما أن الحسد سبب للفساد في الدين ، فكذلك هو السبب للفساد في الدنيا ، فإنه يقطع المودة والمحبة والموالاة ، ويقلب كل ذلك إلى أضدادها ، فلهذا السبب نهى الله عباده عنه فقال: { وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ الله بِهِ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ } .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت