فهرس الكتاب

الصفحة 2522 من 8321

واعلم أن وجه الاتصال هو أن الواو في قوله { وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ } واو عطف ، وهو متصل بقوله { وَلَقَدْ أَخَذَ الله ميثاق بَنِى إسراءيل } [ المائدة: 12 ] كأنه قيل: أخذ عليهم الميثاق وذكرهم موسى نعم الله تعالى وأمرهم بمحاربة الجبارين فخالفوا في القول في الميثاق ، وخالفوه في محاربة الجبارين . وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: أنه تعالى منّ عليهم بأمور ثلاثة: أولها: قوله { إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاء } لأنه لم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء ، فمنهم السبعون الذين اختارهم موسى من قومه فانطلقوا معه إلى الجبل ، وأيضًا كانوا من أولاد يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وهؤلاء الثلاثة بالاتفاق كانوا من أكابر الأنبياء ، وأولاد يعقوب أيضًا كانوا على قول الأكثرين أنبياء ، والله تعالى أعلم موسى أنه لا يبعث الأنبياء إلاّ من ولد بعقوب ومن ولد إسماعيل ، فهذا الشرف حصل بمن مضى من الأنبياء ، وبالذين كانوا حاضرين مع موسى ، وبالذين أخبر الله موسى أنه سيبعثهم من ولد يعقوب وإسماعيل بعد ذلك ، ولا شك أنه شرف عظيم ، وثانيها: قوله { وَجَعَلَكُمْ مُّلُوكًا } وفيه وجوه: أحدها: قال السدي: يعني وجعلكم أحرارًا تملكون أنفسكم بعد ما كنتم في أيدي القبط بمنزلة أهل الجزية فينا ، ولا يغلبكم على أنفسكم غالب ، وثانيها: أن كل من كان رسولًا ونبيًا كان ملكًا لأنه يملك أمر أمته ويملك التصرف فيهم ، وكان نافذ الحكم عليهم فكان ملكًا ، ولهذا قال تعالى: { فَقَدْ ءاتَيْنَا ءالَ إبراهيم الكتاب والحكمة وءاتيناهم مُّلْكًا عَظِيمًا } [ النساء: 54 ] وثالثها: أنه كان في أسلافهم وأخلافهم ملوك وعظماء ، وقد يقال فيمن حصل فيهم ملوك: أنتم ملوك على سبيل الاستعارة ، ورابعها: أن كل من كان مستقلًا بأمر نفسه ومعيشته ولم يكن محتاجًا في مصالحه إلى أحد فهو ملك . قال الزجاج: الملك من لا يدخل عليه أحد إلاّ بإذنه . وقال الضحاك: كانت منازلهم واسعة وفيها مياه جارية ، وكانت لهم أموال كثيرة وخدم يقومون بأمرهم ، ومن كان كذلك كان ملكًا .

والنوع الثالث: من النعم التي ذكرها الله تعالى في هذه الآية قوله { وآتاكم ما لم يؤت أحدًا من العالمين } وذلك لأنه تعالى خصهم بأنواع عظيمة من الاكرام: أحدها: أنه تعالى فلق البحر لهم ، وثانيها: أنه أهلك عدوهم وأورثهم أموالهم ، وثالثها: أنه أنزل عليهم المن والسلوى ، ورابعها: أنه أخرج لهم المياه العذبة من الحجر ، وخامسها: أنه تعالى أظلل فوقهم الغمام ، وسادسها: أنه لم يجتمع لقوم الملك والنبوّة كما جمع لهم ، وسابعها: أنهم في تلك الأيام كانوا هم العلماء بالله وهم أحباب الله وأنصار دينه .

واعلم أن موسى عليه السلام لما ذكرهم هذه النعمة وشرحها لهم أمرهم بعد ذلك بمجاهدة العدو .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت