واعلم أن هذه المرتبة الثالثة مشتملة أيضًا على ثلاث مراتب ، الإماتة ، والإقبار ، والإنشار ، أما الإماتة فقد ذكرنا منافعها في هذا الكتاب ، ولا شك أنها هي الواسطة بين حال التكليف والمجازاة ، وأما الإقبار فقال الفراء: جعله الله مقبورًا ولم يجعله ممن يلقى للطير والسباع ، لأن القبر مما أكرم به المسلم قال: ولم يقل فقبره ، لأن القابر هو الدافن بيده . والمقبر هو الله تعالى ، يقال قبر الميت إذا دفنه وأقبر الميت ، إذا أمر غيره بأن يجعله في القبر ، والعرب تقول: بترت ذنب البعير ، والله أبتره وعضبت قرن الثور ، والله أعضبه ، وطردت فلانًا عني ، والله أطرده . أي صيره طريدًا ، وقوله تعالى: { ثم إذا شاء أنشره } المراد منه الإحياء ( و ) البعث ، وإنما قال: إذا شاء إشعارًا بأن وقته غير معلوم لنا ، فتقديمه وتأخيره موكول إلى مشيئة الله تعالى ، وأما سائر الأحوال المذكورة قبل ذلك فإنه يعلم أوقاتها من بعض الوجوه ، إذا الموت وإن لم يعلم الإنسان وقته ففي الجملة يعلم أنه لا يتجاوز فيه إلا حدًا معلومًا . { كَلاَّ لَمَّا يَقْضِ مَآ أَمَرَهُ } . واعلم أن قوله: { كلا } ردع للإنسان عن تكبره وترفعه ، أو عن كفره وإصراره على إنكار التوحيد ، وعلى إنكاره البعث والحشر والنشر ، وفي قوله: { لما يقض ما أمره } وجوه أحدها: قال مجاهد لا يقضي أحد جميع ما كان مفروضًا عليه أبدًا ، وهو إشارة إلى أن الإنسان لا ينفك عن تقصير ألبتة ، وهذا التفسير عندي فيه نظر ، لأن قوله: { لما يقض } الضمير فيه عائد إلى المذكور السابق ، وهو الإنسان في قوله: { قتل الإنسان ما أكفره } [ عبس: 17 ] وليس المراد من الإنسان ههنا جميع الناس بل الإنسان الكافر فقوله: { لما يقض } كيف يمكن حمله على جميع الناس وثانيها: أن يكون المعنى أن الإنسان المترفع المتكبر لم يقض ما أمر به من ترك التكبر ، إذ المعنى أن ذلك الإنسان الكافر لما يقض ما أمر به من التأمل في دلائل الله ، والتدبر في عجائب خلقه وبينات حكمته وثالثها: قال الأستاذ أبو بكر بن فورك: كلا لم يقض الله لهذا الكافر ما أمره به من الإيمان وترك التكبر بل أمره بما لم يقض له به . واعلم أن عادة الله تعالى جارية في القرآن بأنه كلما ذكر الدلائل الموجودة في الأنفس ، فإنه يذكر عقيبها الدلائل الموجودة في الآفاق فجرى ههنا على تلك العادة وذكر دلائل الآفاق وبدأ بما يحتاج الإنسان إليه . فقال: { فَلْيَنظُرِ الإنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ } . الذي يعيش به كيف دبرنا أمره ، ولا شك أنه موضع الاعتبار ، فإن الطعام الذي يتناول الإنسان له حالتان إحداهما: متقدمة وهي الأمور التي لا بد من وجودها حتى يدخل ذلك الطعام في الوجود والثانية: متأخرة ، وهي الأمور التي لا بد منها في بدن الإنسان حتى يحصل له الانتفاع بذلك الطعام المأكول ، ولما كان النوع الأول أظهر للحسن وأبعد عن الشبهة ، لا جرم اكتفى الله تعالى بذكره ، لأن دلائل القرآن لا بد وأن تكون بحيث ينتفع بها كل الخلق ، فلا بد وأن تكون أبعد عن اللبس والشبهة ، وهذا هو المراد من قوله: { فلينظر الإنسان إلى طعامه } واعلم أن النبت إنما يحصل من القطر النازل من السماء الواقع في الأرض ، فالسماء كالذكر ، والأرض كالأنثى فذكر في بيان نزل القطر .