فهرس الكتاب

الصفحة 3404 من 8321

اعلم أنه تعالى لما أمر بالمقاتلة في قوله: { وقاتلوهم } وكان من المعلوم أن عند المقاتلة قد تحصل الغنيمة ، لا جرم ذكر الله تعالى حكم الغنيمة ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: الغنم: الفوز بالشيء ، يقال: غنم يغنم غنمًا فهو غانم ، والغنيمة في الشريعة ما دخلت في أيدي المسلمين من أموال المشركين على سبيل القهر بالخيل والركاب .

المسألة الثانية: قال صاحب «الكشاف» : { مَا } في قوله: { مَا غَنِمْتُم مّن شَىْء } موصولة وقوله: { مِن شَىْء } يعني أي شيء كان حتى الخيط والمخيط { فَأَنَّ للَّهِ } خبر مبتدأ محذوف تقديره: فحق أو فواجب أن لله خمسه ، وروى النخعي عن ابن عمر { فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } بالكسر ، وتقديره: على قراءة النخعي فلله خمسه والمشهور آكد وأثبت للإيجاب ، كأنه قيل: فلا بد من إثبات الخمس فيه ، ولا سبيل إلى الإخلال به ، وذلك لأنه إذا حذف الخبر واحتمل وجوهًا كثيرة من المقدرات كقولك ثابت: واجب ، حق ، لازم ، كان أقوى لإيجابه من النص على واحد ، وقرىء { خُمُسَهُ } بالسكون .

المسألة الثالثة: في كيفية قسمة الغنائم .

اعلم أن هذه الآية تقتضي أن يؤخذ خمسها ، وفي كيفية قسمة ذلك الخمس قولان:

القول الأول: وهو المشهور أن ذلك الخمس يخمس ، فسهم لرسول الله ، وسهم لذوي قرباه من بني هاشم وبني المطلب ، دون بني عبد شمس وبني نوفل ، لما روي عن عثمان وجبير بن مطعم أنهما قالا لرسول الله A: هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ينكر فضلهم لكونك منهم أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا ، وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة ، فقال عليه السلام:"إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه"وثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل ، وأما بعد وفاة الرسول A ، فعند الشافعي C: أنه يقسم على خمسة أسهم ، سهم لرسول الله ، يصرف إلى ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين ، كعدة الغزاة من الكراع والسلاح ، وسهم لذوي القربى من أغنيائهم وفقرائهم يقسم بينهم للذكر مثل حظ الأنثيين ، والباقي للفرق الثلاثة وهم: اليتامى ، والمساكين ، وابن السبيل . وقال أبو حنيفة C: إن بعد وفاة الرسول E سهمه ساقط بسبب موته ، وكذلك سهم ذوي القربى ، وإنما يعطون لفقرهم ، فهو أسوة سائر الفقراء ، ولا يعطى أغنياؤهم فيقسم على اليتامى والمساكين وابن السبيل . وقال مالك: الأمر في الخمس مفوض إلى رأي الإمام إن رأى قسمته على هؤلاء فعل ، وإن رأى إعطاء بعضهم دون بعض ، فله ذلك .

واعلم أن ظاهر الآية مطابق لقول الشافعي C وصريح فيه ، فلا يجوز العدول عنه إلا لدليل منفصل أقوى منها ، وكيف وقد قال في آخر الآية: { وَقَالَ موسى ياقوم إِن } يعني: إن كنتم آمنتم بالله فاحكموا بهذه القسمة ، وهو يدل على أنه متى لم يحصل الحكم بهذه القسمة ، لم يحصل الإيمان بالله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت