والقول الثاني: وهو قول أبي العالية: إن خمس الغنيمة يقسم على ستة أقسام ، فواحد منها لله ، وواحد لرسول الله ، والثالث لذوي القربى ، والثلاثة الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل قالوا: والدليل عليه أنه تعالى جعل خمس الغنيمة لله ، ثم للطوائف الخمسة ، ثم القائلون بهذا القول منهم من قال: يصرف سهم الله إلى الرسول ، ومنهم من قال: يصرف إلى عمارة الكعبة . وقال بعضهم: إنه عليه السلام كان يضرب يده في هذا الخمس ، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة ، وهو الذي سمى لله تعالى .
والقائلون بالقول الأول أجابوا عنه: بأن قوله: { لِلَّهِ } ليس المقصود منه أثبات نصيب لله . فإن الأشياء كلها ملك لله ، وملكه وإنما المقصود منه افتتاح الكلام بذكر الله على سبيل التعظيم ، كما في قوله: { قُلِ الانفال لِلَّهِ والرسول } واحتج القفال على صحة هذا القول بما روي عن رسول الله A ، أنه قال لهم في غنائم خيبر:"مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم"فقوله: مالي إلا الخمس يدل على أن سهم الله وسهم الرسول واحد ، وعلى الإضمام سهمه السدس لا الخمس ، وإن قلنا: إن السهمين يكونان للرسول . صار سهمه أزيد من الخمس ، وكلا القولين ينافي ظاهر قوله: «مالي إلا الخمس» هذا هو الكلام في قسمة خمس الغنيمة ، وأما الباقي وهو أربعة أخماس الغنيمة فهي للغانمين . لأنهم الذين حازوه واكتسبوه كما يكتسب الكلأ بالاحتشاش ، والطير بالاصطياد ، والفقهاء استنبطوا من هذه الآية مسائل كثيرة مذكورة في كتب الفقه .
المسألة الرابعة: دلت الآية على أنه يجوز قسمة الغنائم في دار الحرب ، كما هو قول الشافعي C ، والدليل عليه: أن قوله: { فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } يقتضي ثبوت الملك لهؤلاء في الغنيمة ، وإذا حصل الملك لهم فيه ، وجب جواز القسمة لأنه لا معنى للقسمة على هذا التقدير إلا صرف الملك إلى المالك ، وذلك جائز بالاتفاق .
المسألة الخامسة: اختلفوا في ذوي القربى . قيل: هم بنو هاشم . وقال الشافعي C: هم بنو هاشم وبنو المطلب . واحتج بالخبر الذي رويناه . وقيل: آل علي ، وجعفر ، وعقيل ، وآل عباس ، وولد الحرث بن عبد المطلب ، وهو قول أبي حنيفة .
المسألة السادسة: حكى صاحب «الكشاف» عن الكلبي: أن هذه الآية نزلت ببدر . وقال الواقدي C: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرًا من الهجرة .
ثم قال تعالى: { وَقَالَ موسى ياقوم إِن } والمعنى اعلموا أن خمس الغنيمة مصروف إلى هذه الوجوه الخمسة فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة { واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَىْء فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ } يعني: إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا يوم الفرقان ، يوم بدر . والجمعان: الفريقان من المسلمين والكافرين ، والمراد منه ما أنزل عليه من الآيات ، والملائكة ، والفتح في ذلك اليوم { والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ } أي يقدر على نصركم وأنتم قليلون ذليلون والله أعلم .