فهرس الكتاب

الصفحة 6063 من 8321

أي نفخ فيه ( مرة ) أخرى كما قال تعالى: { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } [ الزمر: 68 ] وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قال تعالى في موضع آخر: { ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ } وقال ههنا: { فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ } والقيام غير النسلان وقوله في الموضعين: { فَإِذَا هُم } يقتضي أن يكون معًا نقول الجواب: عنه من وجهين أحدهما: أن القيام لا ينافي المشي السريع لأن الماشي قائم ولا ينافي النظر وثانيهما: أن السرعة مجىء الأمور كأن الكل في زمان واحد كقول القائل:

مكر مفر مقبل مدبر معا ... [ كجلمود صخر حطه السيل من عل ]

المسألة الثانية: كيف صارت النفختان مؤثرتين في أمرين متضادين الأحياء والإماتة؟ نقول لا مؤثر غير الله والنفخ علامة ، ثم إن الصوت الهائل يزلزل الأجسام فعند الحياة كانت أجزاء الحي مجتمعة فزلزلها فحصل فيها تفريق ، وحالة الموت كانت الأجزاء متفرقة فزلزلها فحصل فيها اجتماع فالحاصل أن النفختين يؤثران تزلزلًا وانتقالًا للأجرام فعند الاجتماع تتفرق وعند الافتراق تجتمع .

المسألة الثالثة: ما التحقيق في إذا التي للمفاجأة؟ نقول هي إذا التي للظرف معناه نفخ في الصور فإذا نفخ فيه هم ينسلون لكن الشيء قد يكون ظرفًا للشيء معلومًا كونه ظرفًا ، فعند الكلام يعلم كونه ظرفًا وعند المشاهدة لا يتجدد علم كقول القائل إذا طلعت الشمس أضاء الجو وغير ذلك ، فإذا رأى إضاءة الجو عند الطلوع لم يتجدد علم زائد ، وأما إذا قلت خرجت فإذا أسد بالباب كان ذلك الوقت ظرف كون الأسد بالباب . لكنه لم يكن معلومًا فإذا رآه علمه فحصل العلم بكونه ظرفًا له مفاجأة عند الإحساس فقيل إذا للمفاجأة .

المسألة الرابعة: أين يكون في ذلك الوقت أجداث وقد زلزلت الصيحة الجبال؟ نقول يجمع الله أجزاء كل واحد في الموضع الذي قبر فيه فيخرج من ذلك الموضع وهو جدثه .

المسألة الخامسة: الموضع موضع ذكر الهيبة وتقدم ذكر الكافر ولفظ الرب يدل على الرحمة فلو قال بدل الرب المضاف إليهم لفظًا دالًا على الهيبة هل يكون أليق أم لا؟ قلنا: هذا اللفظ أحسن ما يكون ، لأن من أساء واضطر إلى التوجه من أحسن إليه يكون ذلك أشد ألمًا وأكثر ندمًا من غيره .

المسألة السادسة: المسيء إذا توجه إلى المحسن يقدم رجلًا ويؤخر أخرى ، والنسلان هو سرعة المشي فكيف يوجد منهم ذلك؟ نقول: ينسلون من غير اختيارهم ، وقد ذكرنا في تفسير قوله: { فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ } [ الصافات: 19 ] أنه أراد أن يبين كمال قدرته ونفوذ إرادته حيث ينفخ في الصور ، فيكون في وقته جمع وتركيب وإحياء وقيام وعدو في زمان واحد ، فقوله: { فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إلى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ } يعني في زمان واحد ينتهون إلى هذه الدرجة وهي النسلان الذي لا يكون إلا بعد مراتب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت