فهرس الكتاب

الصفحة 3561 من 8321

اعلم أن المقصود من هذا شرح نوع آخر من قبائحهم وفضائحهم ، وهو طعنهم في الرسول بسبب أخذ الصدقات من الأغنياء ويقولون: إنه يؤثر بها من يشاء من أقاربه وأهل مودته وينسبونه إلى أنه لا يراعي العدل ، وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: قال أبو سعيد الخدري Bه: بينا النبي A يقسم مالًا إذ جاءه المقداد بن ذي الخويصرة التميمي ، وهو حرقوص بن زهير ، أصل الخوارج فقال: اعدل يا رسول الله ، فقال:"ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل"فنزلت هذه الآية . قال الكلبي: قال رجل من المنافقين يقال له أبو الجواظ لرسول الله A: تزعم أن الله أمرك أن تضع الصدقات في الفقراء والمساكين ولم تضعها في رعاء الشاء؟ فقال رسول الله A:"لا أبالك أما كان موسى راعيًا أما كان داود راعيًا"فلما ذهب ، قال E:"احذروا هذا وأصحابه فإنهم منافقون"وروى أبو بكر الأصم Bه في «تفسيره» : أنه A قال لرجل من أصحابه:"ما علمك بفلان"فقال: مالي به علم إلا إنك تدنيه في المجلس وتجزل له العطاء ، فقال E:"إنه منافق أداري عن نفاقه وأخاف أن يفسد على غيره"فقال: لو أعطيت فلانًا بعض ما تعطيه ، فقال E:"إنه مؤمن أكله إلى إيمانه ، وأما هذا فمنافق أداريه خوف إفساده".

المسألة الثانية: قوله: { يَلْمِزُكَ } قال الليث: اللمز كالهمز في الوجه . يقال: رجل لمزة يعيبك في وجهك ، ورجل همزة يعيبك بالغيب . وقال الزجاج: يقال لمزت الرجل ألمزه بالكسر ، وألمزه بضم الميم إذا عيبته ، وكذلك همزته أهمزه همزًا . إذا عيبته ، والهمزة اللمزة: الذي يغتاب الناس ويعيبهم ، وهذا يدل على أن الزجاج لم يفرق بين الهمز واللمز . قال الأزهري: وأصل الهمز واللمز الدفع . يقال: همزته ولمزته إذا دفعته ، وفرق أبو بكر الأصم بينهما ، فقال: اللمز أن يشير إلى صاحبه بعيب جليسه ، والهمز أن يكسر عينه على جليسه إلى صاحبه .

إذا عرفت هذا فنقول: قال ابن عباس: يلمزك يغتابك . وقال قتادة: يطعن عليك . وقال الكلبي: يعيبك في أمر ما ، ولا تفاوت بين هذه الروايات إلا في الألفاظ . قال أبو علي الفارسي: ههنا محذوف والتقدير: يعيبك في تفريق الصدقات . قال مولانا العلامة الداعي إلى الله: لفظ القرآن وهو قوله: { وَمِنْهُمْ مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصدقات } لا يدل على أن ذلك اللمز كان لهذا السبب ، إلا أن الروايات التي ذكرناها دلت أن سبب اللمز هو ذلك ، ولولا هذه الروايات لكان يحتمل وجوهًا أخر سواها . فأحدها: أن يقولوا أخذ الزكوات مطلقًا غير جائز ، لأن انتزاع كسب الإنسان من يده غير جائز . أقصى ما في الباب أن يقال: يأخذها ليصرفها إلى الفقراء إلا أن الجهال منهم كانوا يقولون إن الله تعالى أغنى الأغنياء ، فوجب أن يكون هو المتكفل بمصالح عبيده الفقراء: فأما أن يأمرنا بذلك فهو غير معقول . فهذا هو الذي حكاه الله تعالى عن بعض اليهود ، وهو أنهم قالوا: { إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } وثانيها: أن يقولوا هب أنك تأخذ الزكوات إلا أن الذي تأخذه كثير ، فوجب أن تقنع بأقل من ذلك . وثالثها: أن يقولوا هب أنك تأخذ هذا الكثير إلا أنك تصرفه إلى غير مصرفه . وهذا هو الذي دلت الأخبار على أن القوم أرادوه . قال أهل المعاني: هذه الآية تدل على ركاكة أخلاق أولئك المنافقين ودناءة طباعهم ، وذلك لأنه لشدة شرههم إلى أخذ الصدقات عابوا الرسول فنسبوه إلى الجور في القسمة ، مع أنه كان أبعد خلق الله تعالى عن الميل إلى الدنيا . قال الضحاك: كان رسول الله A يقسم بينهم ما آتاه الله من قليل المال وكثيره ، وكان المؤمنون يرضون بما أعطوا ويحمدون الله عليه . وأما المنافقون: فإن أعطوا كثيرًا فرحوا وإن أعطوا قليلًا سخطوا ، وذلك يدل على أن رضاهم وسخطهم لطلب النصيب لا لأجل الدين . وقيل: إن النبي A كان يستعطف قلوب أهل مكة يومئذ بتوفر الغنائم عليهم ، فسخط المنافقون . وقوله: { إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ } كلمة { إِذَا } للمفاجأة ، أي وإن لم يعطوا منها فاجؤا السخط .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت