اعلم أن هذا هو النوع الثالث من أحوال إبراهيم عليه السلام التي حكاها الله تعالى ههنا ، قال القاضي: في هذه الآيات تقديم وتأخير ، لأن قوله: { رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا } لا يمكن إلا بعد دخول البلد في الوجود ، والذي ذكره من بعد وهو قوله: { وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيم القواعد مِنَ البيت } [ البقرة: 128 ] وإن كان متأخرًا في التلاوة فهو متقدم في المعنى ، وههنا مسائل:
المسألة الأولى: المراد من الآية دعاء إبراهيم للمؤمنين من سكان مكة بالأمن والتوسعة بما يجلب إلى مكة لأنها بلد لا زرع ولا غرس فيه ، فلولا الأمن لم يجلب إليها من النواحي وتعذر العيش فيها . ثم إن الله تعالى أجاب دعاءه وجعله آمنًا من الآفات ، فلم يصل إليه جبار إلا قصمه الله كما فعل بأصحاب الفيل ، وههنا سؤالان:
السؤال الأول: أليس أن الحجاج حارب ابن الزبير وخرب الكعبة وقصد أهلها بكل سوء وتم له ذلك؟
الجواب: لم يكن مقصوده تخريب الكعبة لذاتها ، بل كان مقصوده شيئًا آخر .
السؤال الثاني: المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمنًا كثير الخصب ، وهذا مما يتعلق بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها .
والجواب عنه من وجوه ، أحدها: أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين ، كان ذلك من أعظم أركان الدين ، فإذا كان البلد آمنًا وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى ، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك . وثانيها: أنه تعالى جعله مثابة للناس والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة . وثالثها: لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة ، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة .
المسألة الثانية: { بَلَدًا آمِنًا } يحتمل وجهين . أحدهما: مأمون فيه كقوله تعالى: { فِى عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ } [ القارعة: 7 ] أي مرضية . والثاني: أن يكون المراد أهل البلد كقوله: { واسئل القرية } [ يوسف: 82 ] أي أهلها وهو مجاز لأن الأمن والخوف لا يلحقان البلد .
المسألة الثالثة: اختلفوا في الأمن المسؤول في هذه الآية على وجوه . أحدها: سأله الأمن من القحط لأنه أسكن أهله بواد غير ذي زرع ولا ضرع . وثانيها: سأله الأمن من الخسف والمسخ . وثالثها: سأله الأمن من القتل وهو قول أبو بكر الرازي ، واحتج عليه بأنه عليه السلام سأله الأمن أولًا ، ثم سأله الرزق ثانيًا ، ولو كان الأمن المطلوب هو الأمن من القحط لكان سؤال الرزق بعده تكرارًا فقال في هذه الآية: { رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات } وقال في آية أخرى: { رَبّ اجعل هذا البلد امِنًا }