فهرس الكتاب

الصفحة 844 من 8321

[ ابراهيم: 35 ] ثم قال في آخر القصة: { رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } [ ابراهيم: 37 ] إلى قوله: { وارزقهم مّنَ الثمرات } [ إبراهيم: 37 ] واعلم أن هذه الحجة ضعيفة فإن لقائل أن يقول: لعل الأمن المسؤول هو الأمن من الخسف والمسخ ، أو لعله الأمن من القحط ، ثم الأمن من القحط قد يكون بحصول ما يحتاج إليه من الأغذية وقد يكون بالتوسعة فيها فهو بالسؤال الأول طلب إزالة القحط وبالسؤال الثاني طلب التوسعة العظيمة .

المسألة الرابعة: اختلفوا في أن مكة هل كانت آمنة محرمة قبل دعوة إبراهيم عليه السلام أو إنما صارت كذلك بدعوته فقال قائلون: إنها كانت كذلك أبدًا لقوله عليه السلام: « إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض » وأيضًا قال إبراهيم: { رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المحرم } [ إبراهيم: 37 ] وهذا يقتضي أنها كانت محرمة قبل ذلك ، ثم إن إبراهيم عليه السلام أكده بهذا الدعاء ، وقال آخرون: إنها إنما صارت حرمًا آمنًا بدعاء إبراهيم عليه السلام وقبله كانت لسائر البلاد والدليل عليه قوله عليه السلام: « اللهم إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة » . والقول الثالث: إنها كانت حرامًا قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حرامًا بعد الدعوة . فالأول: يمنع الله تعالى من الاصطلام وبما جعل في النفوس من التعظيم . والثاني: بالأمر على ألسنة الرسل .

المسألة الخامسة: إنما قال في هذه السورة: { بَلَدًا آمِنًا } على التنكير وقال في سورة إبراهيم: { هذا البلد آمِنًا } على التعريف لوجهين . الأول: أن الدعوة الأولى وقعت ولم يكن المكان قد جعل بلدًا ، كأنه قال: اجعل هذا الوادي بلدًا آمنًا لأنه تعالى حكى عنه أنه قال: { رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ مِن ذُرّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } [ إبراهيم: 37 ] فقال: ههنا اجعل هذا الوادي بلدًا آمنًا ، والدعوة الثانية وقعت وقد جعل بلدًا ، فكأنه قال: اجعل هذا المكان الذي صيرته بلدًا ذا أمن وسلامة ، كقولك: جعلت هذا الرجل آمنًا . الثاني: أن تكون الدعوتان وقعتا بعد ما صار المكان بلدًا ، فقوله: { اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا } تقديره: اجعل هذا البلد بلدًا آمنًا ، كقولك: كان اليوم يومًا حارًا ، وهذا إنما تذكره للمبالغة في وصفه بالحرارة ، لأن التنكير يدل على المبالغة ، فقوله: { رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا } معناه: اجعله من البلدان الكاملة في الأمن ، وأما قوله: { رَبّ اجعل هذا البلد آمِنًا } فليس فيه إلا طلب الأمن لا طلب المبالغة ، وأما قوله: { وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات } فالمعنى أنه عليه السلام سأل أن يدر على ساكني مكة أقواتهم ، فاستجاب الله تعالى له فصارت مكة يجبى إليها ثمرات كل شيء ، أما قوله: { من آمن منهم } فهو يدل من قوله: { أَهْلِهِ } يعني وارزق المؤمنين من أهله خاصة ، وهو كقوله:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت