فهرس الكتاب

الصفحة 845 من 8321

{ وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلًا } [ آل عمران: 97 ] واعلم أنه تعالى لما أعلمه أن منهم قومًا كفارًا بقوله: { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } [ البقرة: 124 ] لا جرم خصص دعاءه بالمؤمنين دون الكافرين وسبب هذا التخصيص النص والقياس ، أما النص فقوله تعالى: { فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين } [ المائدة: 68 ] وأما القياس فمن وجهين:

الوجه الأول: أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته ، قال الله تعالى: { لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظالمين } [ البقرة: 124 ] فصار ذلك تأديبًا في المسألة ، فلما ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة ، لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن الله تعالى أعلمه بقوله: { فَأُمَتّعُهُ قَلِيلًا } الفرق بين النبوة ورزق الدنيا ، لأن منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين ، لأنه لا بد في الإمامة والنبوة من قوة العزم والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره ونهيه ولا تأخذه في الدين لومة لائم وسطوة جبار ، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع والكافر والصادق والمنافق ، فمن آمن فالجنة مسكنه ومثواه ، ومن كفر فالنار مستقره ومأواه .

الوجه الثاني: يحتمل أن إبراهيم عليه السلام قوي في ظنه أنه إن دعا للكل كثر في البلد الكفار فيكون في غلبتهم وكثرتهم مفسدة ومضرة من ذهاب الناس إلى الحج ، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب ، أما قوله تعالى: { وَمَن كَفَرَ فَأُمَتّعُهُ قَلِيلًا } ففيه مسألتان:

المسألة الأولى: قرأ ابن عامر { فَأُمَتّعُهُ } بسكون الميم خفية من أمتعت ، والباقون بفتح الميم مشددة من متعت ، والتشديد يدل على التكثير بخلاف التخفيف .

المسألة الثانية: أمتعه قيل: بالرزق ، وقيل: بالبقاء في الدنيا ، وقيل: بهما إلى خروج محمد A فيقتله أو يخرجه من هذه الديار إن أقام على الكفر ، والمعنى أن الله تعالى كأنه قال: إنك وإن كنت خصصت بدعائك المؤمنين فإني أمتع الكافر منهم بعاجل الدنيا ، ولا أمنعه من ذلك ما أتفضل به على المؤمنين إلى أن يتم عمره فأقبضه ثم اضطره في الآخرة إلى عذاب النار ، فجعل ما رزق الكافر في دار الدنيا قليلًا ، إذ كان واقعًا في مدة عمره ، وهي مدة واقعة فيما بين الأزل والأبد ، وهو بالنسبة إليهما قليل جدًا ، والحاصل أن الله تعالى بين أن نعمة المؤمن في الدنيا موصولة بالنعمة في الآخرة ، بخلاف الكافر فإن نعمته في الدنيا تنقطع عند الموت وتتخلص منه إلى الآخرة ، أما قوله: { ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النار } فاعلم أن في الإضطرار قولين: أحدهما: أن يفعل به ما يتعذر عليه الخلاص منه وههنا كذلك ، كما قال الله تعالى: { يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا } [ الطور: 13 ] و { يَوْمٍ يَسْبَحُونَ فِى النار على وُجُوهِهِمْ } [ القمر: 48 ] يقال: اضطررته إلى الأمر أي الجأته وحملته عليه من حيث كان كارهًا له ، وقالوا: إن أصله من الضر وهو إدناء الشيء من الشيء ، ومنه ضرة المرأة لدنوها وقربها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت