فهرس الكتاب

الصفحة 3631 من 8321

اعلم أنه تعالى شرح أحوال منافقي المدينة ، ثم ذكر بعده أحوال منافقي الأعراب ، ثم بين أن في الأعراب من هو مؤمن صالح مخلص ، ثم بين أن رؤساء المؤمنين من هم؟ وهم السابقون المهاجرون والأنصار . فذكر في هذه الآية أن جماعة من حول المدينة موصوفون بالنفاق ، وإن كنتم لا تعلمون كونهم كذلك فقال: { وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأعراب منافقون } وهم جهينة وأسلم وأشجع وغفار ، وكانوا نازلين حولها .

وأما قوله: { وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق } ففيه بحثان:

البحث الأول: قال الزجاج: أنه حصل فيه تقديم وتأخير ، والتقدير: وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون مردوا على النفاق . الثاني: قال ابن الأنباري: يجوز أن يكون التقدير: ومن أهل المدينة من مردوا على النفاق فأضمر «من» لدلالة { مِنْ } عليها كما في قوله تعالى: { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } [ الصافات: 164 ] يريد إلا من له مقام معلوم .

البحث الثاني: يقال: مرد يمرد مردوا فهو مارد ومريد إذا عتا ، والمريد من شياطين الإنس والجن ، وقد تمرد علينا أي عتا ، وقال ابن الأعرابي: المراد التطاول بالكبر والمعاصي ، ومنه: { مَرَدُواْ عَلَى النفاق } وأصل المرود الملاسة ، ومنه صرح ممرد ، وغلام أمرد ، والمرداء الرملة التي لا تنبت شيئًا ، كأن من لم يقبل قول غيره ولم يلتفت إليه ، بقي كما كان على صفته الأصلية من غير حدوث تغير فيه ألبتة ، وذلك هو الملاسة .

إذا عرفت أصل اللفظ فنقول: قوله: { مَرَدُواْ عَلَى النفاق } أي ثبتوا واستمروا فيه ولم يتوبوا عنه .

ثم قال تعالى: { لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } وهو كقوله: { لاَ تَعْلَمُونَهُمُ الله يَعْلَمُهُمْ } والمعنى أنهم تمردوا في حرفة النفاق فصاروا فيها أستاذين ، وبلغوا إلى حيث لا تعلم أنت نفاقهم مع قوة خاطرك وصفاء حدسك ونفسك .

ثم قال: { سَنُعَذّبُهُم مَّرَّتَيْنِ } وذكروا في تفسير المرتين وجوهًا كثيرة:

الوجه الأول: قال ابن عباس Bهما: يريد الأمراض في الدنيا ، وعذاب الآخرة ، وذلك أن مرض المؤمن يفيده تكفير السيئات ، ومرض الكافر يفيده زيادة الكفر وكفران النعم .

الوجه الثاني: روى السدي عن أنس بن مالك أن النبي عليه السلام قام خطيبًا يوم الجمعة فقال:"اخرج يا فلان فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق"فأخرج من المسجد ناسًا وفضحهم فهذا هو العذاب الأول ، والثاني عذاب القبر .

والوجه الثالث: قال مجاهد: في الدنيا بالقتل والسبي وبعد ذلك بعذاب القبر .

والوجه الرابع: قال قتادة بالدبيلة وعذاب القبر ، وذلك أن النبي عليه السلام أسر إلى حذيفة اثني عشر رجلًا من المنافقين ، وقال: ستة يبتليهم الله بالدبيلة سراج من نار يأخذ أحدهم حتى يخرج من صدره ، وستة يموتون موتًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت