فهرس الكتاب

الصفحة 5524 من 8321

اعلم أن سليمان عليه السلام لما تفقد الطير أوهم ذلك أنه إنما تفقده لأمر يختص به ذلك الطير ، واختلفوا فيما لأجله تفقده على وجوه: أحدها: قول وهب أنه أخل بالنوبة التي كان ينوبها فلذلك تفقده وثانيها: أنه تفقده لأن مقاييس الماء كانت إليه ، وكان يعرف الفصل بين قريبه وبعيده ، فلحاجة سليمان إلى ذلك طلبه وتفقده وثالثها: أنه كان يظله من الشمس ، فلما فقد ذلك تفقده .

أما قوله: { فَقَالَ مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغائبين } فأم هي المنقطعة نظر إلى مكان الهدهد فلم يبصره فقال ما لي لا أراه ، على معنى أنه لا يراه وهو حاضر لساتر ستره أو غير ذلك ثم لاح له أنه غائب فأضرب عن ذلك وأخذ يقول: أهو غائب؟ كأنه يسأل عن صحة ما لاح له ، ومثله قولهم: إنها لإبل أم شاء .

أما قوله: { لأُعَذّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنّى بسلطان مُّبِينٍ } فهذا لا يجوز أن يقوله إلا فيمن هو مكلف أو فيمن قارب العقل فيصلح لأن يؤدب ، ثم اختلفوا في قوله: { لأُعَذّبَنَّهُ } فقال ابن عباس إنه نتف الريش والإلقاء في الشمس ، وقيل أن يطلى بالقطران ويشمس ، وقيل أن يلقى للنمل فتأكله ، وقيل إيداعه القفص ، وقيل التفريق بينه وبين إلفه ، وقيل لألزمنه صحبة الأضداد ، وعن بعضهم: أضيق السجون معاشرة الأضداد ، وقيل لألزمنه خدمة أقرانه .

أما قوله: { فَمَكَثَ } فقد قرىء بفتح الكاف وضمها { غَيْرَ بَعِيدٍ } ( غير زمان بعيد ) كقولك عن قريب ، ووصف مكثه بقصر المدة للدلالة على إسراعه خوفًا من سليمان وليعلم كيف كان الطير مسخرًا له .

أما قوله: { أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ } ففيه تنبيه لسليمان على أن في أدنى خلق الله تعالى من أحاط علمًا بما لم يحط به ، فيكون ذلك لطفًا في ترك الإعجاب والإحاطة بالشيء علمًا أن يعلم من جميع جهاته .

أما قوله: { وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } فاعلم أن سبأ قرىء بالصرف ومنعه ، وقد روي بسكون الباء ، وعن ابن كثير في رواية سبا بالألف كقولهم ذهبوا أيدي سبا وهو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، فمن جعله اسمًا للقبيلة لم يصرف ، ومن جعله اسمًا للحي أو للأب الأكبر صرف ، ثم سميت مدينة مأرب بسبأ وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام ، والنبأ الخبر الذي له شأن .

وقوله: { مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ } من محاسن الكلام الذي يتعلق باللفظ وشرط حسنه صحة المعنى ، ولقد جاء ههنا زائدًا على الصحة فحسن لفظًا ومعنى ، ألا ترى أنه لو وضع مكان ( بنبأ ) بخبر لكان المعنى صحيحًا ، ولكن لفظ النبأ أولى لما فيه من الزيادة التي يطابقها وصف الحال .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت