فهرس الكتاب

الصفحة 5523 من 8321

أما قوله تعالى: { فَتَبَسَّمَ ضاحكا مّن قَوْلِهَا } يعني تبسم شارعًا في الضحك ( وآخذًا فيه ) ، بمعنى أنه قد تجاوز حد التبسم إلى الضحك ، وإنما ضحك لأمرين: أحدهما: إعجابه بما دل من قولها على ظهور رحمته ورحمة جنوده ( وشفقتهم ) وعلى شهرة حاله وحالهم في باب التقوى ، وذلك قولها: { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } والثاني: سروره بما آتاه الله مما لم يؤت أحدًا من سماعه لكلام النملة وإحاطته بمعناه .

أما قوله تعالى: { رَبّ أَوْزِعْنِى } فقال صاحب «الكشاف» : حقيقة أوزعني: اجعلني أزع شكر نعمتك عندي وأكفه عن أن ينقلب عني ، حتى أكون شاكرًا لك أبدًا ، وهذا يدل على مذهبنا فإن عند المعتزلة كل ما أمكن فعله من الألطاف فقد صارت مفعولة وطلب تحصيل الحاصل عبث .

وأما قوله تعالى: { وعلى وَالِدَىَّ } فذلك لأنه عد نعم الله تعالى على والديه نعمة عليه . ومعنى قوله: { وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه } طلب الإعانة في الشكر وفي العمل الصالح ، ثم قال: { وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين } فلما طلب في الدنيا الإعانة على الخيرات طلب أن يجعل في الآخرة من الصالحين ، وقوله: { بِرَحْمَتِكَ } يدل على أن دخول الجنة برحمته وفضله لا باستحقاق من جانب العبد واعلم أن سليمان عليه السلام طلب ما يكون وسيلة إلى ثواب الآخرة أولًا ثم طلب ثواب الآخرة ثانيًا ، أما وسيلة الثواب فهي أمران: أحدهما: شكر النعمة السالفة والثاني: الاشتغال بسائر أنواع الخدمة ، أما الاشتغال بشكر النعمة السالفة ، فهي قوله تعالى: { رَبّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ التى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ } ولما كان الإنعام على الآباء إنعامًا على الأبناء لأن انتساب الابن إلى أب شريف نعمة من الله تعالى على الابن ، لا جرم اشتغل بشكر نعم الله على الآباء بقوله: { وعلى وَالِدَىَّ } وأما الاشتغال بسائر أنواع الخدمة ، فقوله: { وَأَنْ أَعْمَلَ صالحا ترضاه } وأما طلب ثواب الآخرة فقوله: { وَأَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين } فإن قيل درجات الأنبياء أعظم من درجات الأولياء والصالحين ، فما السبب في أن الأنبياء يطلبون جعلهم من الصالحين فقال يوسف: { تَوَفَّنِى مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } وقال سليمان: { أَدْخِلْنِى بِرَحْمَتِكَ فِى عِبَادِكَ الصالحين } ؟ جوابه: الصالح الكامل هو الذي لا يعصي الله ولا يهم بمعصية وهذه درجة عالية ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت