إشارة إلى أنهم كانوا يتهجدون ويجتهدون يريدون أن يكون عملهم أكثر من ذلك وأخلص منه ويستغفرون من التقصير وهذا سيرة الكريم يأتي بأبلغ وجوه الكرم ويستقله ويعتذر من التقصير ، واللئيم يأتي بالقليل ويستكثره ويمن به .
وفيه وجه آخر ألطف منه ، وهو أنه تعالى لما بيّن أنهم يهجعون قليلًا ، والهجوع مقتضى الطبع ، قال: { يَسْتَغْفِرُونَ } أي من ذلك القدر من النوم القليل ، وفيه لطيفة أخرى تنبيهًا في جواب سؤال ، وهو أنه تعالى مدحهم بقلة الهجوع ، ولم يمدحهم بكثرة السهر ، وما قال: كانوا كثيرًا من الليل ما يسهرون ، فما الحكمة فيه ، مع أن السهر هو الكلفة والاجتهاد لا الهجوع؟ نقول: إشارة إلى أن نومهم عبادة ، حيث مدحهم الله تعالى بكونهم هاجعين قليلًا ، وذلك الهجوع أورثهم لاشتغال بعبادة أخرى ، وهو الاستغفار في وجوه الأسحار ، ومنعهم من الإعجاب بأنفسهم والاستكبار . وفيه مباحث:
البحث الأول: في الباء فإنها استعملت للظرف ههنا ، وهي ليست للظرف ، نقول: قال بعض النحاة: إن حروف الجر ينوب بعضها مناب بعض ، يقال في الظرف خرجت لعشر بقين وبالليل وفي شهر رمضان ، فيستعمل اللام والباء وفي ، وكذلك في المكان ، نقول: أقمت بالمدينة كذا وفيها ، ورأيته ببلدة كذا وفيها ، فإن قيل ما التحقيق فيه؟ نقول: الحروف لها معاني مختلفة ، كما أن الأسماء والأفعال كذلك ، غير أن الحروف غير مستقلة بإفادة المعنى ، والاسم والفعل مستقلان ، لكن بين بعض الحروف وبعضها تناف وتباعد ، كما في الأسماء والأفعال ، فإن البيت والمسكن مختلفان متفاوتان ، وكذلك سكن ومكث ، ولا كذلك كل اسمين يفرض أو كل فعلين يوجد ، إذا عرفت هذا فنقول: بين الباء واللام وفي مشاركة ، أما الباء فإنها للإلصاق ، والمتمكن في مكان ملتصق به متصل ، وكذلك الفعل بالنسبة إلى الزمان ، فإذا قال: سار بالنهار معناه ذهب ذهابًا متصلًا بالنهار ، وكذا قوله تعالى: { وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } أي استغفارًا متصلًا بالأسحار مقترنًا بها ، لأن الكائن فيها مقترنًا بها ، فإن قيل: فهل يكون بينهما في المعنى تفاوت؟ نقول: نعم ، وذلك لأن من قال: قمت بالليل واستغفر بالأسحار أخبر عن الأمرين ، وذلك أدل على وجود الفعل مع أول جزء من أجزاء الوقت من قوله: قمت في الليل ، لأنه يستدعي احتواش الزمان بالفعل وكذلك قول القائل: أقمت ببلد كذا ، لا يفيد أنه كان محاطًا بالبلد ، وقوله: أقمت فيها يدل على إحاطتها به ، فإذن قول القائل: أقمت بالبلدة ودعوت بالأسحار ، أعم من قوله: قمت فيه ، لأن القائم فيه قائم به ، والقائم به ليس قائمًا فيه من كل بد ، إذا علمت هذا فقوله تعالى: { وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ } إشارة إلى أنهم لا يخلون وقتًا عن العبادة ، فإنهم بالليل لا يهجعون ، ومع أول جزء من السحر يستغفرون ، فيكون فيه بيان كونهم مستغفرين من غير أن يسبق منهم ذنب ، لأنهم وقت الانتباه في الأسحار لم يخلو الوقت للذنب ، فإن قيل: زدنا بيانًا فإن من الأزمان أزمانًا لا تجعل ظروفًا بالباء ، فلا يقال خرجت بيوم الجمعة ويقال بفي ، نقول: إن كل فعل جار في زمان فهو متصل به ، فالخروج يوم الجمعة متصل مقترن بذلك الزمان ، ولم يستعمل خرجت بيوم الجمعة ، نقول الفارق بينهما الإطلاق والتقييد ، بدليل أنك إن قلت: خرجت بنهارنا وبليلة الجمعة لم يحسن ، ولو قلت: خرجت بيوم سعد ، وخرج هو بيوم نحس حسن ، فالنهار والليل لما لم يكن فيهما خصوص وتقييد جاز استعمال الباء فيهما ، فإذا قيدتهما وخصصتهما زال ذلك الجواز ، ويوم الجمعة لما كان فيه خصوص لم يجز استعمال الباء ، وحيث زال الخصوص بالتنكير ، وقلت خرت بيوم كذا عاد الجواز ، والسر فيه أن مثل يوم الجمعة ، وهذه الساعة ، وتلك الليلة وجد فيها أمر غير الزمان وهو خصوصيات ، وخصوصية الشيء في الحقيقة أمور كثيرة غير محصورة عند العاقل على وجه التفصيل لكنها محصورة على الإجمال ، مثاله إذا قلت هذا الرجل فالعام فيه هو الرجل ، ثم إنك لو قلت الرجل الطويل ، ما كان يصير مخصصًا ، لكنه يقرب من الخصوص ، ويخرج من القصار ، فإن قلت العالم لم يصر مخصصًا لكنه يخرج عن الجهال ، فإذا قلت الزاهد فكذلك ، فإذا قلت ابن عمرو خرج عن أبناء زيد وبكر وخالد وغيرهم ، فإذا قلت هذا يتناول تلك المخصصات التي بأجمعها لا تجتمع إلا في ذلك ، فإذن الزمان المتعين فيه أمور غير الزمان ، والفعل حدث مقترن بزمان لا ناشىء عن الزمان ، وأما في فصحيح ، لأن ما حصل في العام فهو في الخاص ، لأن العام أمر داخل في الخاص ، وأما في فيدخل في الذي فيه الشيء ، فصح أن يقال: في يوم الجمعة ، وفي هذه الساعة ، وأما بحث اللام فنؤخره إلى موضعه ، وقد تقدم بعضه في تفسير قوله تعالى: