فهرس الكتاب

الصفحة 3773 من 8321

واعلم أن هذه الآية كالتتمة لما قبلها . وقوله: { هُنَالِكَ } معناه: في ذلك المقام وفي ذلك الموقف أو يكون المراد في ذلك الوقت على استعارة اسم المكان للزمان ، وفي قوله: { تَبْلُواْ } مباحث:

البحث الأول: قرأ حمزة والكسائي { تَتْلُواْ } بتاءين ، وقرأ عاصم { نبلوكُلُّ نَفْسٍ } بالنون ونصب كل والباقون { تَبْلُواْ } بالتاء والباء . أما قراءة حمزة والكسائي فلها وجهان: الأول: أن يكون معنى قوله: { تَتْلُواْ } أي تتبع ما أسلفت ، لأن عمله هو الذي يهديه إلى طريق الجنة وإلى طريق النار . الثاني: أن يكون المعنى: أن كل نفس تقرأ ما في صحيفتها من خير أو شر ومنه قوله تعالى: { اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا } [ الإسراء: 14 ] وقال: { فَأُوْلَئِكَ يَقْرَءونَ كتابهم } [ الإسراء: 71 ] وأما قراءة عاصم فمعناها: أن الله تعالى يقول في ذلك الوقت نختبر كل نفس بسبب اختبار ما أسلفت من العمل ، والمعنى: أنا نعرف حالها بمعرفة حال عملها ، إن كان حسنًا فهي سعيدة ، وإن كان قبيحًا فهي شقية ، والمعنى نفعل بها فعل المختبر ، كقوله تعالى: { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } [ الملك: 2 ] وأما القراءة المشهورة فمعناها: أن كل نفس نختبر أعمالها في ذلك الوقت .

البحث الثاني: الابتلاء عبارة عن الاختبار قال تعالى: { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } [ الأعراف: 168 ] ويقال: البلاء ثم الابتلاء أي الاختبار ينبغي أن يكون قبل الابتلاء .

ولقائل أن يقول: إن في ذلك الوقت تنكشف نتائج الأعمال وتظهر آثار الأفعال ، فكيف يجوز تسمية حدوث العلم بالابتلاء؟

وجوابه: أن الابتلاء سبب لحدوث العلم ، وإطلاق اسم السبب على المسبب مجاز مشهور .

وأما قوله: { وَرُدُّواْ إِلَى الله مولاهم الحق } فاعلم أن الرد عبارة عن صرف الشيء إلى الموضع الذي جاء منه ، وههنا فيه احتمالات: الأول: أن يكون المراد من قوله: { وَرُدُّواْ إِلَى الله } أي وردوا إلى حيث لا حكم إلا لله على ما تقدم من نظائره . والثاني: أن يكون المراد { وَرُدُّواْ } إلى ما يظهر لهم من الله من ثواب وعقاب ، منبهًا بذلك على أن حكم الله بالثواب والعقاب لا يتغير . الثالث: أن يكون المراد من قوله: { وَرُدُّواْ إِلَى الله } أي جعلوا ملجئين إلى الإقرار بإلهيته ، بعد أن كانوا في الدنيا يعبدون غير الله تعالى ، ولذلك قال: { مولاهم الحق } أعني أعرضوا عن المولى الباطل ورجعوا إلى المولى الحق .

وأما قوله: { مولاهم الحق } فقد مر تفسيره في سورة الأنعام .

وأما قوله: { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } فالمراد أنهم كانوا يدعون فيما يعبدونه أنهم شفعاء وأن عبادتهم مقربة إلى الله تعالى ، فنبه تعالى على أن ذلك يزول في الآخرة ، ويعلمون أن ذلك باطل وافتراء واختلاق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت