فهرس الكتاب

الصفحة 3772 من 8321

وأما قوله: { وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } ففيه مباحث:

البحث الأول: إنما أضاف الشركاء إليهم لوجوه: الأول: أنهم جعلوا نصيبًا من أموالهم لتلك الأصنام ، فصيروها شركاء لأنفسهم في تلك الأموال ، فلهذا قال تعالى: { وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ } الثاني: أنه يكفي في الإضافة أدنى تعلق ، فلما كان الكفار هم الذين أثبتوا هذه الشركة ، لا جرم حسنت إضافة الشركاء إليهم . الثالث: أنه تعالى لما خاطب العابدين والمعبودين بقوله: { مَكَانَكُمْ } صاروا شركاء في هذا الخطاب .

البحث الثاني: اختلفوا في المراد بهؤلاء الشركاء . فقال بعضهم: هم الملائكة ، واستشهدوا بقوله تعالى: { يَوْمٍ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ للملائكة أَهَؤُلاَء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ } [ سبأ: 40 ] ومنهم من قال: بل هي الأصنام ، والدليل عليه: أن هذا الخطاب مشتمل على التهديد والوعيد ، وذلك لا يليق بالملائكة المقربين ، ثم اختلفوا في أن هذه الأصنام كيف ذكرت هذا الكلام . فقال بعضهم: إن الله تعالى يخلق الحياة والعقل والنطق فيها ، فلا جرم قدرت على ذكر هذا الكلام . وقال آخرون إنه تعالى يخلق فيها الكلام من غير أن يخلق فيها الحياة حتى يسمع منها ذلك الكلام ، وهو ضعيف ، لأن ظاهر قوله: { وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ } يقتضي أن يكون فاعل ذلك القول هم الشركاء .

فإن قيل: إذا أحياهم الله تعالى فهل يبقيهم أو يفنيهم؟

قلنا: الكل محتمل ولا اعتراض على الله في شيء من أفعاله ، وأحوال القيامة غير معلومة ، إلا القليل الذي أخبر الله تعالى عنه في القرآن .

والقول الثالث: إن المراد بهؤلاء الشركاء ، كل من عبد من دون الله تعالى ، من صنم وشمس وقمر وأنسي وجني وملك .

البحث الثالث: هذا الخطاب لا شك أنه تهديد في حق العابدين ، فهل يكون تهديدًا في حق المعبودين؟ أما المعتزلة: فإنهم قطعوا بأن ذلك لا يجوز . قالوا: لأنه لا ذنب للمعبود ، ومن لا ذنب له ، فإنه يقبح من الله تعالى أن يوجه التخويف والتهديد والوعيد إليه . وأما أصحابنا ، فإنهم قالوا إنه تعالى لا يسئل عما يفعل .

البحث الرابع: أن الشركاء قالوا: { مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } وهم كانوا قد عبدوهم ، فكان هذا كذبًا ، وقد ذكرنا في سورة الأنعام اختلاف الناس في أن أهل القيامة هل يكذبون أم لا ، وقد تقدمت هذه المسألة على الاستقصاء ، والذي نذكره ههنا ، أن منهم من قال: إن المراد من قولهم { مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ } هو أنكم ما عبدتمونا بأمرنا وإرادتنا؟ قالوا: والدليل على أن المراد ما ذكرناه وجهان: الأول: أنهم استشهدوا بالله في ذلك حيث قالوا: { فكفى بالله شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } والثاني: أنهم قالوا: { إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لغافلين } فأثبتوا لهم عبادة ، إلا أنهم زعموا أنهم كانوا غافلين عن تلك العبادة ، وقد صدقوا في ذلك ، لأن من أعظم أسباب الغفلة كونها جمادات لا حس لها بشيء ولا شعور ألبتة . ومن الناس من أجرى الآية على ظاهرها . وقالوا: إن الشركاء أخبروا أن الكفار ما عبدوها ، ثم ذكروا فيه وجوهًا: الأول: أن ذلك الموقف موقف الدهشة والحيرة ، فذلك الكذب يكون جاريًا مجرى كذب الصبيان ، ومجرى كذب المجانين والمدهوشين . والثاني: أنهم ما أقاموا لأعمال الكفار وزنا وجعلوها لبطلانها كالعدم ، ولهذا المعنى قالوا: إنهم ما عبدونا . والثالث: أنهم تخيلوا في الأصنام التي عبدوها صفات كثيرة ، فهم في الحقيقة إنما عبدوا ذوات موصوفة بتلك الصفات ، ولما كانت ذواتها خالية عن تلك الصفات ، فهم ما عبدوها وإنما عبدوا أمورًا تخيلوها ولا وجود لها في الأعيان ، وتلك الصفات التي تخيلوها في أصنامهم أنها تضر وتنفع وتشفع عند الله بغير إذنه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت