وفيه مسائل:
المسألة الأولى: في وجه تعلقه بما قبله؟ نقول: لما ذكر الله تعالى حال المكذبين بالحشر والوحدانية ذكر الدليل عليهما بالخلق والرزق ولم يفدهم الإيمان قال لنبيه A: أن وظيفتك أن تكمل في نفسك وهو علمك بربك وعملك لربك: { فَسَبّحْ باسم رَبّكَ } وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى: { فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشمس } [ طه: 130 ] وفي موضع آخر .
المسألة الثانية: التسبيح التنزيه عما لا يليق به فما فائدة ذكر الاسم ولم يقل: فسبح بربك العظيم؟ فنقول الجواب عنه من وجهين أحدهما: هو المشهور وهو أن الاسم مقحم ، وعلى هذا الجواب فنقول: فيه فائدة زيادة التعظيم ، لأن من عظم عظيمًا وبالغ في تعظيمه لم يذكر اسمه إلا وعظمه ، فلا يذكر اسمه في موضع وضيع ولا على وجه الاتفاق كيفما اتفق ، وذلك لأن من يعظم شخصًا عند حضوره ربما لا يعظمه عند غيبته فيذكره باسم علمه ، فإن كان بمحضر منه لا يقول ذلك ، فإذا عظم عنده لا يذكره في حضوره وغيبته إلا بأوصاف العظمة ، فإن قيل: فعلى هذا فما فائدة الباء وكيف صار ذلك ، ولم يقل: فسبح اسم ربك العظيم ، أو الرب العظيم ، نقول: قد تقدم مرارًا أن الفعل إذا كان تعلقه بالمفعول ظاهرًا غاية الظهور لا يتعدى إليه بحرف فلا يقال: ضربت بزيد بمعنى ضربت زيدًا ، وإذا كان في غاية الخفاء لا يتعدى إليه إلا بحرف فلا يقال: ذهبت زيدًا بمعنى ذهبت بزيد ، وإذا كان بينهما جاز الوجهان فنقول: سبحته وسبحت به وشكرته وشكرت له ، إذا ثبت هذا فنقول: لما علق التسبيح بالاسم وكان الاسم مقحمًا كان التسبيح في الحقيقة متعلقًا بغيره وهو الرب وكان التعلق خفيًا من وجه فجاز ادخال الباء ، فإن قيل: إذا جاز الإسقاط والإثبات فما الفرق بين هذا الموضع وبين قوله تعالى: { سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى } [ الأعلى: 1 ] فنقول: ههنا تقديم الدليل على العظمة أن يقال: الباء في قوله: { باسم } غير زائدة ، وتقريره من وجهين أحدهما: أنه لما ذكر الأمور وقال: نحن أم أنتم ، فاعترف الكل بأن الأمور من الله ، وإذا طولبوا بالوحدانية قالوا: نحن لا نشرك في المعنى وإنما نتخذ أصنامًا آلهة في الاسم ونسميها آلهة والذي خلقها وخلق السموات هو الله فنحن ننزهه في الحقيقة فقال: { فَسَبّحْ باسم رَبّكَ } وكما أنك أيها العاقل اعترفت بعدم اشتراكهما في الحقيقة اعترف بعدم اشتراكهما في الاسم ، ولا تقل لغيره إله ، فإن الاسم يتبع المعنى والحقيقة ، وعلى هذا فالخطاب لا يكون مع النبي A بل يكون كما يقول الواعظ: يا مسكين أفنيت عمرك وما أصلحت عملك ، ولا يريد أحدًا بعينه ، وتقديره يا أيها المسكين السامع وثانيهما: أن يكون المراد بذكر ربك ، أي إذا قلت: وتولوا ، فسبح ربك بذكر اسمه بين قومك واشتغل بالتبليغ ، والمعنى اذكره باللسان والقلب وبين وصفه لهم وإن لم يقبلوا فإنك مقبل على شغلك الذي هو التبليغ ، ولو قال: فسبح ربك ، ما أفاد الذكر لهم ، وكان ينبىء عن التسبيح بالقلب ، ولما قال: فسبح باسم ربك ، والاسم هو الذي يذكر لفظًا دل على أنه مأمور بالذكر اللساني وليس له أن يقتصر على الذكر القلبي ويحتمل أن يقال: فسبح مبتدئًا باسم ربك العظيم فلا تكون الباء زائدة .