هذا هو النوع الثاني مما نهى الله عنه في هذه الآية ، وفيه مسائل:
المسألة الأولى: لقائل أن يقول: إن أكبر الكبائر بعد الكفر بالله القتل ، فما السبب في أن الله تعالى بدأ أولًا بذكر النهي عن الزنا وثانيًا بذكر النهي عن القتل .
وجوابه: أنا بينا أن فتح باب الزنا يمنع من دخول الإنسان في الوجود ، والقتل عبارة عن إبطال الإنسان بعد دخوله في الوجود . ودخوله في الوجود مقدم على إبطاله وإعدامه بعد وجوده ، فلهذا السبب ذكر الله تعالى الزنا أولًا ثم ذكر القتل ثانيًا .
المسألة الثانية: اعلم أن الأصل في القتل هو الحرمة المغلظة ، والحل إنما يثبت بسبب عارضي ، فلما كان الأمر كذلك لا جرم نهى الله عن القتل مطلقًا بناء على حكم الأصل ، ثم استثنى عنه الحالة التي يحصل فيها حل القتل وهو عند حصول الأسباب العرضية فقال: { إِلاَّ بالحق } / فنفتقر ههنا إلى بيان أن الأصل في القتل التحريم ، والذي يدل عليه وجوه: الأول: أن القتل ضرر والأصل في المضار الحرمة لقوله: { مَّا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِى الدين مِنْ حَرَجٍ } [ الحج: 78 ] { ولا يريد بكم العسر } [ البقرة: 185 ] « ولا ضرر ولا ضرار » . الثاني: قوله عليه السلام: « الآدمي بنيان الرب ملعون من هدم بنيان الرب » الثالث: أن الآدمي خلق للاشتغال بالعبادة لقوله: { وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ } [ الذاريات: 56 ] ولقوله عليه السلام: « حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا » والاشتغال بالعبادة لا يتم إلا عند عدم القتل . الرابع: أن القتل إفساد فوجب أن يحرم لقوله تعالى: { وَلاَ تُفْسِدُواْ } [ الأعراف: 85 ] . الخامس: أنه إذا تعارض دليل تحريم القتل ودليل إباحته فقد أجمعوا على أن جانب الحرمة راجح ، ولولا أن مقتضى الأصل هو التحريم وإلا لكان ذلك ترجيحًا لا لمرجح وهو محال . السادس: أنا إذا لم نعرف في الإنسان صفة من الصفات إلا مجرد كونه إنسانًا عاقلًا حكمنا فيه بتحريم قتله ، وما لم نعرف شيئًا زائدًا على كونه إنسانًا لم نحكم فيه بحل دمه ، ولولا أن أصل الإنسانية يقتضي حرمة القتل ، وإلا لما كان كذلك فثبت بهذه الوجوه أن الأصل في القتل هو التحريم . وأن حله لا يثبت إلا بأسباب عرضية .
وإذا ثبت هذا فنقول: إنه تعالى حكم بأن الأصل في القتل هو التحريم فقال: { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق } فقوله: { وَلاَ تَقْتُلُواْ } نهي وتحريم ، وقوله: { حَرَّمَ الله } إعادة لذكر التحريم على سبيل التأكيد ، ثم استثنى عنه الأسباب العرضية الاتفاقية فقال: { إِلاَّ بالحق } ثم ههنا طريقان: