فهرس الكتاب

الصفحة 4545 من 8321

الطريق الأول: أن مجرد قوله: { إِلاَّ بالحق } مجمل لأنه ليس فيه بيان أن ذلك الحق ما هو وكيف هو؟ ثم إنه تعالى قال: { وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا } أي في استيفاء القصاص من القاتل ، وهذا الكلام يصلح جعله بيانًا لذلك المجمل ، وتقريره كأنه تعالى قال: { وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق } وذلك الحق هو أن من قتل مظلومًا فقد جعلنا لوليه سلطانًا في استيفاء القصاص . وإذا ثبت هذا وجب أن يكون المراد من الحق هذه الصورة فقط ، فصار تقدير الآية: ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا عند القصاص ، وعلى هذا التقدير فتكون الآية نصًا صريحًا في تحريم القتل إلا بهذا السبب الواحد ، فوجب أن يبقى على الحرمة فيما سوى هذه الصورة الواحدة .

والطريق الثاني: أن نقول: دلت السنة على أن ذلك الحق هو أحد أمور ثلاثة: وهو قوله عليه السلام: « لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان ، وزنا بعد إحصان ، وقتل نفس بغير حق »

واعلم أن هذا الخبر من باب الآحاد . فإن قلنا: إن قوله: { وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا } تفسير لقوله: { إِلاَّ بالحق } كانت الآية صريحة في أنه لا يحل القتل إلا بهذا السبب الواحد ، فحينئذ يصير هذا الخبر مخصصًا لهذه الآية ويصير ذلك فرعًا لقولنا: إنه يجوز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد ، وأما إن قلنا: إن قوله: { وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ سلطانا } ليس تفسيرًا لقوله: { إِلاَّ بالحق } فحينئذ يصير هذا الخبر مفسرًا للحق المذكور في الآية ، وعلى هذا التقدير لا يصير هذا فرعًا على مسألة جواز تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد . فلتكن هذه الدقيقة معلومة ، والله أعلم .

المسألة الثالثة: ظاهر هذه الآية أنه لا سبب لحل القتل إلا قتل المظلوم ، وظاهر الخبر يقتضي ضم شيئين آخرين إليه: وهو الكفر بعد الإيمان ، والزنا بعد الإحصان ، ودلت آية أخرى على حصول سبب رابع وهو قوله تعالى: { إِنَّمَا جَزَاء الذين يُحَارِبُونَ الله وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِى الأرض فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ } [ المائدة: 33 ] ودلت آية أخرى على حصول سبب خامس وهو الكفر . قال تعالى: { قاتلوا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالله وَلاَ باليوم الآخر } [ التوبة: 29 ] وقال: { واقتلوهم حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } [ النساء: 89 ] والفقهاء تكلموا واختلفوا في أشياء أخرى فمنها: أن تارك الصلاة هل يقتل أم لا؟ فعند الشافعي C يقتل ، وعن أبي حنيفة C لا يقتل . وثانيها: أن فعل اللواط هل يوجب القتل؟ فعند الشافعي يوجب ، وعند أبي حنيفة لا يوجب . وثالثها: أن الساحر إذا قال: قتلت بسحري فلانًا فعند الشافعي يوجب القتل ، وعند أبي حنيفة لا يوجب . ورابعها: أن القتل بالمثقل هل يوجب القصاص؟ فعند الشافعي يوجب . وعند أبي حنيفة لا يوجب . وخامسها: أن الامتناع من أداء الزكاة هل يوجب القتل أم لا؟ اختلفوا فيه في زمان أبي بكر . وسادسها: أن إتيان البهيمة هل يوجب القتل ، فعند أكثر الفقهاء لا يوجب ، وعند قوم يوجب ، حجة القائلين بأنه لا يجوز القتل في هذه الصور هو أن الآية صريحة في منع القتل على الإطلاق ، إلا لسبب واحد وهو قتل المظلوم ، ففيما عدا هذا السببب الواحد ، وجب البقاء على أصل الحرمة ، ثم قالوا: وهذا النص قد تأكد بالدلائل الكثيرة الموجبة لحرمة الدم على الإطلاق ، فترك العمل بهذه الدلائل لا يكون إلا لمعارض ، وذلك المعارض إما أن يكون نصًا متواترًا أو نصًا من باب الآحاد أو يكون قياسًا ، أما النص المتواتر فمفقود ، وإلا لما بقي الخلاف ، وأما النص من باب الآحاد فهو مرجوح بالنسبة إلى هذه النصوص المتواترة الكثيرة ، وأما القياس فلا يعارض النص . فثبت بمقتضى هذا الأصل القوي القاهر أن الأصل في الدماء الحرمة إلا في الصور المعدودة ، والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت