في الترتيب وجوه أحدها: أن الله تعالى لما بين الرسالة وهو أصل من الأصول الثلاثة التي يصير بها المكلف مؤمنًا مسلمًا ذكر أصلًا آخر وهو الحشر وثانيها: وهو أن الله تعالى لما ذكر الإنذار والبشارة بقوله: { فَبَشّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ } [ يس: 11 ] ولم يظهر ذلك بكماله في الدنيا فقال: إن لم ير في الدنيا فالله يحيي الموتى ويجزي المنذرين ويجزي المبشرين وثالثها: أنه تعالى لما ذكر خشية الرحمن بالغيب ذكر ما يؤكده وهو إحياء الموتى وفي التفسير مسائل:
المسألة الأولى: { إِنَّا نَحْنُ } يحتمل وجهين أحدهما: أن يكون مبتدأ وخبرًا كقول القائل:
أنا أبو النجم وشعري شعري ... ومثل هذا يقال عند الشهرة العظيمة ، وذلك لأن من لا يعرف يقال له من أنت؟ فيقول: أنا ابن فلان فيعرف ومن يكون مشهورًا إذا قيل له من أنت يقول أنا أي لا معرف لي أظهر من نفسي فقال: إنا نحن معروفون بأوصاف الكمال ، وإذا عرفنا بأنفسنا فلا تنكر قدرتنا على إحياء الموتى وثانيهما: أن يكون الخبر { نُحْىِ } كأنه قال إنا نحيي الموتى ، و { نَحْنُ } يكون تأكيدًا والأول أولى .
المسألة الثانية: { إنا نحن } فيه إشارة إلى التوحيد لأن الاشتراك يوجب التمييز بغير النفس فإن زيدًا إذا شاركه غيره في الاسم ، فلو قال أنا زيد لم يحصل التعريف التام ، لأن للسامع أن يقول: أيما زيد؟ فيقول ابن عمرو ولو كان هناك زيد آخر أبوه عمرو لا يكفي قوله ابن عمرو ، فلما قال الله: { إِنَّا نَحْنُ } أي ليس غيرنا أحد يشاركنا حتى تقول أنا كذا فنمتاز ، وحينئذٍ تصير الأصول الثلاثة مذكورة؛ الرسالة والتوحيد والحشر .
المسألة الثالثة: قوله: { وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ } فيه وجوه أحدها: المراد ما قدموا وأخروا فاكتفى بذكر أحدهما كما في قوله تعالى: { سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر } [ النحل: 81 ] والمراد والبرد أيضًا وثانيها: المعنى ما أسلفوا من الأعمال صالحة كانت أو فاسدة وهو كما قال تعالى: { بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } [ البقرة: 95 ] أي بما قدمت في الوجود على غيره وأوجدته وثالثها: نكتب نياتهم فإنها قبل الأعمال وآثارهم أي أعمالهم على هذا الوجه .
المسألة الرابعة: وآثارهم فيه وجوه الأول: آثارهم أقدامهم فإن جماعة من أصحابه بعدت دورهم عن المساجد فأرادوا النقلة فقال A: « إن الله يكتب خطواتكم ويثيبكم عليه فالزموا بيوتكم » والثاني: هي السنن الحسنة ، كالكتب المصنفة والقناطر المبنية ، والحبائس الدارة ، والسنن السيئة كالظلمات المستمرة التي وضعها ظالم والكتب المضلة ، وآلات الملاهي وأدوات المناهي المعمولة الباقية ، وهو في معنى قوله A: « من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجر العامل شيء ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها »