يقال: وسوس إذا تكلم كلامًا خفيًا يكرره ، وبه سمي صوت الحلي وسواسًا وهو فعل غيرمتعد كقولنا: ولولوت المرأة ، وقولنا: وعوع الذئب ، ورجل موسوس بكسر الواو ولا يقال موسوس بالفتح ، ولكن موسوس له وموسوس إليه ، وهو الذي يلقي إليه الوسوسة ، ومعنى وسوس له فعل الوسوسة لأجله ووسوس إليه ألقاها إليه ، وههنا سؤالات:
السؤال الأول: كيف وسوس إليه وآدم كان في الجنة وإبليس أخرج منها .
والجواب: قال الحسن: كان يوسوس من الأرض إلى السماء وإلى الجنة بالقوة الفوقية التي جعلها الله تعالى له ، وقال أبو مسلم الأصفهاني: بل كان آدم وإبليس في الجنة لأن هذه الجنة كانت بعض جنات الأرض ، والذي يقوله بعض الناس من أن إبليس دخل في جوف الحية ودخلت الحية في الجنة فتلك القصة الركيكة مشهورة ، وقال آخرون: إن آدم وحواء ربما قربًا من باب الجنة ، وكان إبليس واقفًا من خارج الجنة على بابها ، فيقرب فيقرب أحدهما من الآخر وتحصل الوسوسة هناك .
السؤال الثاني: أن آدم عليه السلام كان يعرف ما بينه وبين إبليس من العداوة فكيف قبل قوله .
والجواب: لا يبعد أن يقال إن إبليس لقي آدم مرارًا كثيرة ورغبه في أكل الشجرة بطرق كثيرة فلأجل المواظبة والمداومة على هذا التمويه أثر كلامه في آدم عليه السلام .
السؤال الثالث: لم قال: { فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان } .
والجواب: معنى وسوس له أي فعل الوسوسة لأجله والله أعلم .
أما قوله تعالى: { لِيُبْدِيَ لَهُمَا } في هذا اللام قولان: أحدهما: أنه لام العاقبة كما في قوله: { فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا } [ القصص: 8 ] وذلك لأن الشيطان لم يقصد بالوسوسة ظهور عورتهما ، ولم يعلم أنهما إن أكلا من الشجرة بدت عوراتهما ، وإنما كان قصده أن يحملهما على المعصية فقط . الثاني: لا يبعد أيضًا أن يقال: إنه لام الغرض ثم فيه وجهان: أحدهما: أن يجعل بدو العورة كناية عن سقوط الحرمة وزوال الجاه ، والمعنى: أن غرضه من إلقاء تلك الوسوسة إلى آدم زوال حرمته وذهاب منصبه . والثاني: لعله رأى في اللوح المحفوظ أو سمع من بعض الملائكة أنه إذا أكل من الشجرة بدت عورته ، وذلك يدل على نهاية الضرر وسقوط الحرمة ، فكان يوسوس إليه لحصول هذا الغرض ، وقوله: { مَا ووري عنهما من سوءَاتهما } فيه مباحث:
البحث الأول: ما وري مأخوذ من المواراة يقال: واريته أي سترته . قال تعالى: { يواري سوأة أخيه } [ المائدة: 31 ] . وقال النبي A لعلي لما أخبره بوفاة أبيه: «اذهب فواره» .
البحث الثاني: السوأة فرج الرجل والمرأة ، وذلك لأن ظهوره يسوء الإنسان . قال ابن عباس Bهما كأنهما قد ألبسا ثوبًا يستر عورتهما ، فلما عصيا زال عنهما ذلك الثوب فذلك قوله تعالى: { فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُما } .