فهرس الكتاب

الصفحة 1336 من 8321

اعلم أن هذا هو الحكم الخامس من أحكام الطلاق ، وهو بيان أن الطلقة الثالثة قاطعة لحق الرجعة ، وفيه مسائل:

المسألة الأولى: الذين قالوا: إن قوله { أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } [ البقرة: 229 ] إشارة إلى الطلقة الثالثة قالوا إن قوله: { فَإِن طَلَّقَهَا } تفسير لقوله: { تَسْرِيحٌ بإحسان } وهذا قول مجاهد ، إلا أنا بينا أن الأولى أن لا يكون المراد من قوله: { تَسْرِيحٌ بإحسان } الطلقة الثالثة ، وذلك لأن للزوج مع المرأة بعد الطلقة الثانية أحوالًا ثلاثة أحدها: أن يراجعها ، وهو المراد بقوله: { فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ } [ البقرة: 229 ] والثاني: أن لا يراجعها بل يتركها حتى تنقضي العدة وتحصل البينونة ، وهو المراد بقوله: { أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } والثالث: أن يطلقها طلقة ثالثة ، وهو المراد بقوله: { فَإِن طَلَّقَهَا } فإذا كانت الأقسام ثلاثة ، والله تعالى ذكر ألفاظًا ثلاثة وجب تنزيل كل واحد من الألفاظ الثلاثة على معنى من المعاني الثلاثة ، فأما إن جعلنا قوله: { أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان } عبارة عن الطلقة الثالثة كنا قد صرفنا لفظين إلى معنى واحد على سبيل التكرار ، وأهملنا القسم الثالث ، ومعلوم أن الأول أولى .

واعلم أن وقوع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين كالشيء الأجنبي ، ونظم الآية { الطلاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بإحسان فَإِن طَلَّقَهَا فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } .

فإن قيل: فإذا كان النظم الصحيح هو هذا فما السبب في إيقاع آية الخلع فيما بين هاتين الآيتين؟ .

قلنا: السبب أن الرجعة والخلع لا يصحان إلا قبل الطلقة الثالثة ، أما بعدها فلا يبقى شيء من ذلك: فلهذا السبب ذكر الله حكم الرجعة ، ثم أتبعه بحكم الخلع ، ثم ذكر بعد الكل حكم الطلقة الثالثة لأنها كالخاتمة لجميع الأحكام المعتبرة في هذا الباب والله أعلم .

المسألة الثانية: مذهب جمهور المجتهدين أن المطلقة بالثلاث لا تحل لذلك الزوج إلا بخمس شرائط: تعتد منه ، وتعقد للثاني ، ويطؤها ، ثم يطلقها ، ثم تعتد منه ، وقال سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب: تحل بمجرد العقد ، واختلف العلماء في أن شرط الوطء بالسنة ، أو بالكتاب ، قال أبو مسلم الأصفهاني: الأمران معلومان بالكتاب وهذا هو المختار .

وقبل الخوض في الدليل لا بد من التنبيه على مقدمة ، قال عثمان بن جني: سألت أبا علي عن قولهم: نكح المرأة ، فقال: فرقت العرب بالاستعمال ، فإذا قالوا: نكح فلان فلانة ، أرادوا أنه عقد عليها ، وإذا قالوا: نكح امرأته أو زوجته أرادوا به المجامعة ، وأقول: هذا الذي قاله أبو علي كلام محقق بحسب القوانين العقلية ، لأن الإضافة الحاصلة بين الشيئين مغايرة لذات كل واحد من المضافين ، فإذا قيل: نكح فلان زوجته ، فهذا النكاح أمر حاصل بينه وبين زوجته فهذا النكاح مغاير له ولزوجته ، ثم الزوجة ليست اسمًا لتلك المرأة بحسب ذاتها بل اسمًا لتلك الذات بشرط كونها موصوفة بالزوجية ، فالزوجة ماهية مركبة من الذات ومن الزوجية والمفرد مقدم لا محالة على المركب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت