اعلم أن في قوله: { إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ } مسائل:
المسألة الأولى: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في رؤساء اليهود؛ كعب بن الأشرف ، وكعب بن أسد ، ومالك بن الصيف ، وحيي بن أخطب ، وأبي ياسر بن أخطب ، كانوا يأخذون من أتباعهم الهدايا ، فلما بعث محمد عليه السلام خافوا انقطاع تلك المنافع ، فكتموا أمر محمد عليه السلام وأمر شرائعه فنزلت هذه الآية .
المسألة الثانية: اختلفوا في أنهم أي شيء كانوا يكتمون؟ فقيل: كانوا يكتمون صفة محمد A ونعته والبشارة به ، وهو قول ابن عباس وقتادة والسدي والأصم وأبي مسلم ، وقال الحسن: كتموا الأحكام وهو قوله تعالى: { إِنَّ كَثِيرًا مّنَ الأحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } [ التوبة: 34 ] .
المسألة الثالثة: اختلفوا في كيفية الكتمان ، فالمروى عن ابن عباس: أنهم كانوا محرفين يحرفون التوراة والإنجيل ، وعند المتكلمين هذا ممتنع ، لأنهما كانا كتابين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذر ذلك فيهما ، بل كانوا يكتمون التأويل ، لأنه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة محمد عليه السلام ، وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة ، ويصرفونها عن محاملها الصحيحة الدالة على نبوة محمد عليه السلام ، فهذا هو المراد من الكتمان ، فيصير المعنى: إن الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب .
أما قوله تعالى: { وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } ففيه مسائل:
المسألة الأولى: الكناية في: به ، يجوز أن تعود إلى الكتمان والفعل يدل على المصدر ، ويحتمل أن تكون عائدة إلى ما أنزل الله ، ويحتمل أن تكون عائدة إلى المكتوم .
المسألة الثانية: معنى قوله: { وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيًلا } كقوله: { وَلاَ تَشْتَرُواْ بآياتي ثَمَنًا قَلِيلًا } [ البقرة: 41 ] وقد مر ذلك وبالجملة فكان غرضهم من ذلك الكتمان: أخذ الأموال بسبب ذلك ، فهذا هو المراد من اشترائهم بذلك ثمنًا قليلًا .
المسألة الثالثة: إنما سماه قليلًا إما لأنه في نفسه قليل ، وإما لأنه بالإضافة إلى ما فيه من الضرر العظيم قليل .
المسألة الرابعة: من الناس من قال: كان غرضهم من ذلك الكتمان أخذ الأموال من عوامهم وأتباعهم ، وقال آخرون: بل كان غرضهم من ذلك أخذهم الأموال من كبرائهم وأغنيائهم الذين كانوا ناصرين لذلك المذهب ، وليس في الظاهر أكثر من اشترائهم بذلك الكتمان الثمن القليل ، وليس فيه بيان من طمعوا فيه وأخذوا منه ، فالكلام مجمل وإنما يتوجه الطمع في ذلك إلى من يجتمع إليه الجهل ، وقلة المعرفة المتمكن من المال والشح على المألوف في الدين فينزل عليه ما يلتمس منه فهذا هو معلوم بالعادة ، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر هذه الحكاية عنهم ذكر الوعيد على ذلك من وجوه أولها: قوله تعالى: { أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار } وفيه مسألتان: