فهرس الكتاب

الصفحة 1040 من 8321

المسألة الأولى: قال بعضهم: ذكر البطن ههنا زيادة بيان لأنه يقال أكل فلان المال إذا بدره وأفسده وقال آخرون: بل فيه فائدة فقوله: { فِي بُطُونِهِمْ } أي ملء بطونهم يقال: أكل فلان في بطنه وأكل في بعض بطنه .

المسألة الثانية: قيل: إن أكلهم في الدنيا وإن كان طيبًا في الحال فعاقبته النار فوصف بذلك كقوله: { إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا } [ النساء: 10 ] عن الحسن والربيع وجماعة من أهل العلم ، وذلك لأنه لما أكل ما يوجب النار فكأنه أكل النار ، كما روي في حديث آخر « الشارب من آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم » وقوله: { إِنّى أَرَانِى أَعْصِرُ خَمْرًا } [ يوسف: 36 ] أي عنبًا فسماه بإسم ما يؤول إليه وقيل: إنهم في الآخرة يأكلون النار لأكلهم في الدنيا الحرام عن الأصم وثانيها: قوله تعالى: { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله } فظاهره: أنه لا يكلمهم أصلا لكنه لما أورده مورد الوعيد فهم منه ما يجري مجرى العقوبة لهم ، وذكروا فيه ثلاثة أوجه الأول: أنه قد دلت الدلائل على أنه سبحانه وتعالى يكلمهم ، وذلك قوله: { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } [ الحجر: 92 93 ] وقوله: { فَلَنَسْئَلَنَّ الذين أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ المرسلين } [ الأعراف: 6 ] فعرفنا أنه يسأل كل واحد من المكلفين ، والسؤال لا يكون إلا بكلام فقالوا: وجب أن يكون المراد من الآية أنه تعالى لا يكلمهم بتحية وسلام وإنما يكلمهم بما يعظم عنده من الغم والحسرة من المناقشة والمساءلة وبقوله: { اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } [ المؤمنون: 108 ] الثاني: أنه تعالى لا يكلمهم وأما قوله تعالى: { فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ الحجر: 92 ] فالسؤال إنما يكون من الملائكة بأمره تعالى وإنما كان عدم تكليمهم يوم القيامة مذكورًا في معرض التهديد لأن يوم القيامة هو اليوم الذي يكلم الله تعالى فيه كل الخلائق بلا واسطة فيظهر عند كلامه السرور في أوليائه ، وضده في أعدائه ، ويتميز أهل الجنة بذلك من أهل النار فلا جرم كان ذلك من أعظم الوعيد الثالث: أن قوله: { وَلاَ يُكَلّمُهُمُ } استعارة عن الغضب لأن عادة الملوك أنهم عند الغضب يعرضون عن المغضوب عليه ولا يكلمونه كما أنهم عند الرضا يقبلون عليه بالوجه والحديث وثالثها: قوله: { وَلاَ يُزَكّيهِمْ } وفيه وجوه الأول: لا ينسبهم إلى التزكية ولا يثني عليهم الثاني: لا يقبل أعمالهم كما يقبل أعمال الأزكياء الثالث: لا ينزلهم منازل الأزكياء ورابعها: قوله: { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } واعلم أن الفعيل قد يكون بمعنى الفاعل كالسميع بمعنى السامع والعليم بمعنى العالم ، وقد يكون بمعنى المفعول كالجريح والقتيل بمعنى المجروح والمقتول ، وقد يكون بمعنى المفعل كالبصير بمعنى المبصر والأليم بمعنى المؤلم واعلم أن هذه الآية مشتملة على مسائل:

المسألة الأولى: أن علماء الأصول قالوا: العقاب هو المضرة الخالصة المقرونة بالإهانة فقوله: { وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله وَلاَ يُزَكّيهِمْ } إشارة إلى الإهانة والاستخفاف ، وقوله: { وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } إشارة إلى المضرة وقدم الإهانة على المضرة تنبيهًا على أن الإهانة أشق وأصعب .

المسألة الثانية: دلت الآية على تحريم الكتمان لكل علم في باب الدين يجب إظهاره .

المسألة الثالثة: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالآية وإن نزلت في اليهود لكنها عامة في حق كل من كتم شيئًا من باب الدين يجب إظهاره فتصلح لأن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر والله اعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت