فهرس الكتاب

الصفحة 5805 من 8321

لما قال: { قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ } [ السجدة: 9 ] بين عدم شكرهم بإتيانهم بضده وهو الكفر وإنكار قدرته على إحياء الموتى وقد ذكرنا أن الله تعالى ، في كلامه القديم ، كلما ذكر أصلين من الأصول الثلاثة لم يترك الأصل الثالث وههنا كذلك لما ذكر الرسالة بقوله: { تَنزِيلُ الكتاب } إلى قوله: { لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أتاهم مّن نَّذِيرٍ مّن قَبْلِكَ } [ السجدة: 2 ، 3 ] الوحدانية بقوله: { الله الذى خَلَقَ } إلى قوله: { وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار } [ السجدة: 4 ، 9 ] ذكر الأصل الثالث وهو الحشر بقوله تعالى: { وَقَالُواْ أَءذَا ضَلَلْنَا فِى الأرض } وفيه مسائل:

المسألة الأولى: الواو للعطف على ما سبق منهم فإنهم قالوا محمد ليس برسول والله ليس بواحد وقالوا الحشر ليس بممكن .

المسألة الثانية: أنه تعالى قال في تكذيبهم الرسول في الرسالة { أم يقولون } [ يونس: 38 ] بلفظ المستقبل وقال في تكذيبهم إياه في الحشر ، { وقالوا } بلفظ الماضي ، وذلك لأن تكذيبهم إياه في رسالته لم يكن قبل وجوده وإنما كان ذلك حالة وجوده فقال يقولون يعني هم فيه ، وأما إنكارهم للحشر كان سابقًا صادرًا منهم ومن آبائهم فقال { وقالوا } .

المسألة الثالثة: أنه تعالى صرح بذكر قولهم في الرسالة حيث قال: { أَمْ يَقُولُونَ } [ يونس: 38 ] وفي الحشر حيث قال: { وقالوا أئذا } ولم يصرح بذكر قولهم في الوحدانية ، وذلك لأنهم كانوا مصرين في جميع الأحوال على إنكار الحشر والرسول ، وأما الوحدانية فكانوا يعترفون بها في المعنى ، ألا ترى أن الله تعالى قال: { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله } [ لقمان: 25 ] فلم يقل قالوا إن الله ليس بواحد وإن كانوا قالوه في الظاهر .

المسألة الرابعة: لو قال قائل لما ذكر الرسالة ذكر من قبل دليلها وهو التنزيل الذي لا ريب فيه ولما ذكر الوحدانية ذكر دليلها وهو خلق السموات والأرض وخلق الإنسان من طين ، ولما ذكر إنكارهم الحشر لم يذكر الدليل ، نقول في الجواب: ذكر دليله أيضًا وذلك لأن خلق الإنسان ابتداء دليل على قدرته على إعادته ، ولهذا استدل الله على إمكان الحشر بالخلق الأول كما قال: { ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ } [ الروم: 27 ] وقوله: { قُلْ يُحْيِيهَا الذى أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } [ ياس: 79 ] وكذلك خلق السموات كما قال تعالى: { أَوَلَيْسَ الذى خَلَقَ السموات والأرض بقادر على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم * بلى } [ ياس: 81 ، 82 ] .

وقوله تعالى: { إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ } أي أئنا كائنون في خلق جديد أو واقعون فيه { بَلْ هُم بِلَقَاء رَبّهِمْ كافرون } إضراب عن الأول يعني ليس إنكارهم لمجرد الخلق ثانيًا بل يكفرون بجميع أحوال الآخرة حتى لو صدقوا بالخلق الثاني لما اعترفوا بالعذاب والثواب ، أو نقول معناه لم ينكروا البعث لنفسه بل لكفرهم ، فإنهم أنكروه فأنكروا المفضى إليه ، ثم بين ما يكون لهم من الموت إلى العذاب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت