فهرس الكتاب

الصفحة 7887 من 8321

اعلم أن المراد أنه إذا وقعت هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة ، فهناك يحصل الحشر والنشر ، وفي تفسير هذه الآيات مقامات الأول: في تفسير كل واحد من هذه الأشياء التي هي أشراط الساعة وهي ههنا أربعة ، اثنان منها تتعلق بالعلويات ، واثنان آخران تتعلق بالسفليات الأول: قوله: { إِذَا السماء انفطرت } أي انشقت وهو كقوله: { وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء * بالغمام } [ الفرقان: 25 ] ، { إِذَا السماء انشقت } [ الإنشقاق: 1 ] ، { فَإِذَا انشقت السماء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان } [ الرحمن: 37 ] ، { وَفُتِحَتِ السماء فَكَانَتْ أبوابا } [ النبأ: 19 ] و { السَّمَاء مُنفَطِرٌ بِهِ } [ المزمل: 18 ] قال الخليل: ولم يأت هذا على الفعل ، بل هو كقولهم: مرضع وحائض ، ولو كان على الفعل لكان منفطرة كما قال: { إِذَا السماء انفطرت } أما الثاني وهو قوله: { وَإِذَا الكواكب انتثرت } فالمعنى ظاهر لأن عند انتقاض تركيب السماء لا بد من انتثار الكواكب على الأرض .

واعلم أنا ذكرنا في بعض السورة المتقدمة أن الفلاسفة ينكرون إمكان الخرق والالتئام على الأفلاك ، ودليلنا على إمكان ذلك أن الأجسام متماثلة في كونها أجسامًا ، فوجب أن يصح على كل واحد منها ما يصح على الآخر ، إنما قلنا: إنها متماثلة لأنه يصح تقسيمها إلى السماوية والأرضية ومورد التقسيم مشترك بين القسمين ، فالعلويات والسفليات مشتركة في أنها أجسام ، وإنما قلنا: إنه متى كان كذلك وجب أن يصح على العلويات ما يصح على السفليات ، لأن المتماثلات حكمها واحد فمتى يصح حكم على واحد منها ، وجب أن يصح على الباقي ، وأما الإثنان السفليان: فأحدهما: قوله: { وَإِذَا البحار فُجّرَتْ } وفيه وجوه أحدهما: أنه ينفذ بعض البحار في البعض بارتفاع الحاجز الذي جعله الله برزخًا ، وحينئذ يصير الكل بحرًا واحدًا ، وإنما يرتفع ذلك الحاجز لتزلزل الأرض وتصدعها . وثانيها: أن مياه البحار الآن راكدة مجتمعة ، فإذا فجرت تفرقت وذهب ماؤها وثالثها: قال الحسن: فجرت أي يبست .

واعلم أن على الوجوه الثلاثة ، فالمراد أنه تتغير البحار عن صورتها الأصلية وصفتها ، وهو كما ذكر أنه تغير الأرض عن صفتها في قوله: { يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض } [ ابراهيم: 48 ] وتغير الجبال عن صفتها في قوله: { فَقُلْ يَنسِفُهَا رَبّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا } [ طه: 106 105 ] ورابعها: قرأ بعضهم: { فُجّرَتْ } بالتخفيف ، وقرأ مجاهد: { فُجّرَتْ } على البناء للفاعل والتخفيف ، بمعنى بغت لزوال البرزخ نظرًا إلى قوله: { لاَّ يَبْغِيَانِ } [ الرحمن: 20 ] لأن البغي والفجور أخوان .

وأما الثاني: فقوله: { وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ } فاعلم أن بعثر وبحثر بمعنى واحد ، ومركبان من البعث والبحث مع راء مضمومة إليهما ، والمعنى أثيرت وقلب أسفلها أعلاها وباطنها ظاهرها ، ثم ههنا وجهان أحدهما: أن القبور تبعثر بأن يخرج ما فيها من الموتى أحياء ، كما قال تعالى: { وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا } [ الزلزلة: 2 ] والثاني: أنها تبعثر لإخراج ما في بطنها من الذهب والفضة ، وذلك لأن من أشراط الساعة أن تخرج الأرض أفلاذ كبدها من ذهبها وفضتها ، ثم يكون بعد ذلك خروج الموتى ، والأول أقرب ، لأن دلالة القبور على الأول أتم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت