المقام الثاني: في فائدة هذا الترتيب ، واعلم أن المراد من هذه الآيات بيان تخريب العالم وفناء الدنيا ، وانقطاع التكاليف ، والسماء كالسقف ، والأرض كالبناء ، ومن أراد تخريب دار ، فإنه يبدأ أولًا بتخريب السقف ، وذلك هو قوله: { إِذَا السماء انفطرت } ثم يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب ، وذلك هو قوله: { وَإِذَا الكواكب انتثرت } ثم إنه تعالى بعد تخريب السماء والكواكب يخرب كل ما على وجه الأرض وهو قوله: { وَإِذَا البحار فُجّرَتْ } ثم إنه تعالى يخرب آخر الأمر الأرض التي هي البناء ، وذلك هو قوله: { وَإِذَا القبور بُعْثِرَتْ } فإنه إشارة إلى قلب الأرض ظهرًا لبطن ، وبطنًا لظهر .
المقام الثالث: في تفسير قوله: { عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ } وفيه احتمالان الأول: أن المراد بهذه الأمور ذكر يوم القيامة ، ثم فيه وجوه أحدها: وهو الأصح أن المقصود منه الزجر عن المعصية ، والترغيب في الطاعة ، أي يعلم كل أحد في هذا اليوم ماقدم ، فلم يقصر فيه وما أخر فقصر فيه ، لأن قوله: { مَّا قَدَّمَتْ } يقتضي فعلًا و { مَا أخرت } يقتضي تركًا ، فهذا الكلام يقتضي فعلًا وتركًا وتقصيرًا وتوفيرًا ، فإن كان قدم الكبائر وأخر العمل الصالح فمأواه النار ، وإن كان قدم العمل الصالح وأخر الكبائر فمأواه الجنة وثانيها: ما قدمت من عمل أدخله في الوجود وماأخرت من سنة يستن بها من بعده من خير أو شر وثالثها: قال الضحاك: ما قدمت من الفرائض وما أخرت أي ما ضيعت ورابعها: قال أبو مسلم: ما قدمت من الأعمال في أول عمرها وما أخرت في آخر عمرها ، فإن قيل: وفي أي موقف من مواقف القيامة يحصل هذا العلم؟ قلنا: أما العلم الإجمالي فيحصل في أول زمان الحشر ، لأن المطيع يرى آثار السعادة ، والعاصي يرى آثار الشقاوة في أول الأمر . وأما العلم التفصيل ، فإنما يحصل عند قراءة الكتب والمحاسبة .
الاحتمال الثاني: أن يكون المراد قيل: قيام القيامة بل عند ظهور أشراط الساعة وانقطاع التكاليف ، وحين لا ينفع العمل بعد ذلك كما قال: { لاَ يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ ءامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِى إيمانها خَيْرًا } [ الأنعام: 158 ] فيكون ما عمله الإنسان إلى تلك الغاية ، هو أول أعماله وآخرها ، لأنه لا عمل له بعد ذلك ، وهذا القول ذكره القفال .