اعلم أن هذا حكاية طريقة أخرى من طرائقهم الفاسدة ، وذلك لأنهم عند الوقوع في الضر الذي هو الفقر والمرض يفزعون إلى الله تعالى ، ويرون أن دفع ذلك لا يكون إلا منه ، ثم إنه تعالى إذا خولهم النعمة ، وهي إما السعة في المال أو العافية في النفس ، زعم أنه إنما حصل ذلك بكسبه وبسبب جهده وجده ، فإن كان مالًا قال إنما حصل بكسبي ، وإن كان صحة قال إنما حصل ذلك بسبب العلاج الفلاني ، وهذا تناقض عظيم ، لأنه كان في حال العجز والحاجة أضاف الكل إلى الله وفي حال السلامة والصحة قطعه عن الله ، وأسنده إلى كسب نفسه ، وهذا تناقض قبيح ، فبين تعالى قبح طريقتهم فيما هم عليه عند الشدة والرخاء بلفظة وجيزة فصيحة ، فقال { بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ } يعني النعمة التي خولها هذا الكافر فتنة ، لأن عند حصولها يجب الشكر ، وعند فواتها يجب الصبر ، ومن هذا حاله يوصف بأنه فتنة من حيث يختبر عنده حال من أوتي النعمة ، كما يقال فتنت الذهب بالنار ، إذا عرضته على النار لتعرف خلاصته .
ثم قال تعالى: { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } والمعنى ما قدمنا أن هذا التخويل إنما كان لأجل الاختبار . وبقي في الآية أبحاث نذكرها في معرض السؤال والجواب .
السؤال الأول: ما السبب في عطف هذه الآية بالفاء ههنا ، وعطف مثلها في أول السورة بالواو؟ والجواب: أنه تعالى حكى عنهم قبل هذه الآية أنهم يشمئزون من سماع التوحيد ويستبشرون بسماع ذكر الشركاء ، ثم ذكر بفاء التعقيب أنهم إذا وقعوا في الضر والبلاء والتجأوا إلى الله تعالى وحده ، كان الفعل الأول مناقضًا للفعل الثاني ، فذكر فاء التعقيب ليدل على أنهم واقعون في المناقضة الصريحة في الحال ، وأنه ليس بين الأول والثاني فاصل مع أن كل واحد منهما مناقض للثاني ، فهذا هو الفائدة في ذكر فاء التعقيب ههنا . فأما الآية الأولى فليس المقصود منها بيان وقوعهم في التناقض في الحال ، فلا جرم ذكر الله بحرف الواو لا بحرف الفاء .
السؤال الثاني: ما معنى التخويل؟ الجواب: التخويل هو التفضل ، يعني نحن نتفضل عليه وهو يظن أنه إنما وجده بالاستحقاق .
السؤال الثالث: ما المراد من قوله: { إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ } ؟ الجواب: يحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علم الله بكوني مستحقًا لذلك ، ويحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علمي بكوني مستحقًا له ، ويحتمل أن يكون المراد ، إنما أوتيته على علم لأجل ذلك العلم قدرت على اكتسابه مثل أن يكون مريضًا فيعالج نفسه ، فيقول إنما وجدت الصحة لعلمي بكيفية العلاج ، وإنما وجدت المال لعلمي بكيفية الكسب .
السؤال الرابع: النعمة مؤنثة ، والضمير في قوله: { أُوتِيتُهُ } عائد على النعمة ، فضمير التذكير كيف عاد إلى المؤنث ، بل قال بعده: { بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ } فجعل الضمير مؤنثًا فما السبب فيه؟ والجواب: أن التقدير حتى إذا خولناه شيئًا من النعمة ، فلفظ النعمة مؤنث ومعناه مذكر ، فلا جرم جاز الأمران .