فهرس الكتاب

الصفحة 4530 من 8321

اعلم أنه لما ذكر في الآية الأولى ما هو الركن الأعظم في الأيمان ، أتبعه بذكر ما هو من شعائر الإيمان وشرائطه وهي أنواع:

النوع الأول: أن يكون الإنسان مشتغلًا بعبادة الله تعالى ، وأن يكون محترزًا عن عبادة غير الله تعالى ، وهذا هو المراد من قوله: { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ } وفيه بحثان:

البحث الأول: القضاء معناه الحكم الجزم البت الذي لا يقبل النسخ . والدليل عليه أن الواحد منا إذا أمر غيره بشيء فإنه لا يقال: إنه قضى عليه ، أما إذا أمره أمرًا جزمًا وحكم عليه بذلك الحكم على سبيل البت والقطع ، فههنا يقال: قضى عليه ولفظ القضاء في أصل اللغة يرجع إلى إتمام الشيء وانقطاعه . وروى ميمون بن مهران عن ابن عباس أنه قال: في هذه الآية كان الأصل ووصى ربك فالتصقت إحدى الواوين بالصاد فقرىء: { وقضى رَبُّكَ } ثم قال: ولو كان على القضاء ما عصى الله أحد قط ، لأن خلاف قضاء الله ممتنع ، هكذا رواه عنه الضحاك وسعيد بن جبير ، وهو قراءة علي وعبد الله .

واعلم أن هذا القول بعيد جدًا لأنه يفتح باب أن التحريف والتغيير قد تطرق إلى القرآن ، ولو جوزنا ذلك لارتفع الأمان عن القرآن وذلك يخرجه عن كونه حجة ولا شك أنه طعن عظيم في الدين .

البحث الثاني: قد ذكرنا أن هذه الآية تدل على وجوب عبادة الله تعالى وتدل على المنع عن عبادة غير الله تعالى وهذا هو الحق ، وذلك لأن العبادة عبارة عن الفعل المشتمل على نهاية التعظيم ونهاية التعظيم لا تليق إلا بمن يصدر عنه نهاية الإنعام ، ونهاية الإنعام عبارة عن إعطاء الوجود والحياة ، والقدرة والشهوة والعقل ، وقد ثبت بالدلائل أن المعطي لهذه الأشياء هو الله تعالى لا غيره ، وإذا كان المنعم بجميع النعم هو الله لا غيره ، لا جرم كان المستحق للعبادة هو الله تعالى لا غيره ، فثبت بالدليل العقلي صحة قوله: { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه } .

في الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أنه تعالى أمر بعبادة نفسه ، ثم أتبعه بالأمر ببر الوالدين وبيان المناسبة بين الأمر بعبادة الله تعالى وبين الأمر ببر الوالدين من وجوه:

الوجه الأول: أن السبب الحقيقي لوجود الإنسان هو تخليق الله تعالى وإيجاده ، والسبب الظاهري هو الأبوان ، فأمر بتعظيم السبب الحقيقي ، ثم أتبعه بالأمر بتعظيم السبب الظاهري .

الوجه الثاني: أن الموجود إما قديم وإما محدث ، ويجب أن تكون معاملة الإنسان مع الإله القديم بالتعظيم والعبودية ، ومع المحدث بإظهار الشفقة وهو المراد من قوله عليه السلام: « التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله »

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت