فهرس الكتاب

الصفحة 4531 من 8321

وأحق الخلق بصرف الشفقة إليه هو الأبوان لكثرة إنعامهما على الإنسان فقوله: { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه } إشارة إلى التعظيم لأمر الله وقوله: { وبالوالدين إحسانا } إشارة إلى الشفقة على خلق الله .

الوجه الثالث: أن الاشتغال بشكر المنعم واجب ، ثم المنعم الحقيقي هو الخالق سبحانه وتعالى . وقد يكون أحد من المخلوقين منعمًا عليك ، وشكره أيضًا واجب لقوله عليه السلام: « من لم يشكر الناس لم يشكر الله » وليس لأحد من الخلائق نعمة على الإنسان مثل ما للوالدين وتقريره من وجوه: أحدها: أن الولد قطعة من الوالدين ، قال عليه السلام: « فاطمة بضعة مني » وثانيها: أن شفقة الأبوين على الولد عظيمة وجدهما في إيصال الخير إلى الولد كالأمر الطبيعي واحترازهما عن إيصال الضرر إليه كالأمر الطبيعي ، ومتى كانت الدواعي إلى إيصال الخير متوفرة ، والصوارف عنه زائلة لا جرم كثر إيصال الخير ، فوجب أن تكون نعم الوالدين على الولد كثيرة أكثر من كل نعمة تصل من إنسان إلى إنسان . وثالثها: أن الإنسان حال ما يكون في غاية الضعف ونهاية العجز ، يكون في إنعام الأبوين فأصناف نعمهما في ذلك الوقت واصلة إليه ، وأصناف رحمة ذلك الولد واصلة إلى الوالدين في ذلك الوقت ، ومن المعلوم أن الإنعام إذا كان واقعًا على هذا الوجه كان موقعه عظيمًا . ورابعها: أن إيصال الخير إلى الغير قد يكون لداعية إيصال الخير إليه وقد يمتزج بهذا الغرض سائر الأغراض ، وإيصال الخير إلى الولد ليس لهذا الغرض فقط . فكان الإنعام فيه أتم وأكمل ، فثبت أنه ليس لأحد من المخلوقين نعمة على غيره مثل ما للوالدين على الولد ، فبدأ الله تعالى بشكر نعمة الخالق وهو قوله: { وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إياه } ثم أردفه بشكر نعمة الوالدين وهو قوله: { وبالوالدين إحسانا } والسبب فيه ما بينا أن أعظم النعم بعد إنعام الإله الخالق نعمة الوالدين .

فإن قيل: الوالدان إنما طلبا تحصيل اللذة لنفسيهما فلزم منه دخول الولد في الوجود وحصوله في عالم الآفات والمخافات ، فأي إنعام للأبوين على الولد؟ حكي أن واحدًا من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد . وعرضني للموت والفقر والعمى والزمانة ، وقيل لأبي العلاء المعري: ماذا نكتب على قبرك؟ قال اكتبوا عليه:

هذا جناه أبي علي ... وما جنيت على أحد

وقال في ترك التزوج والولد:

وتركت أولادي وهم في نعمة ال ... عدم التي سبقت نعيم العاجل

ولو أنهم ولدوا لعانوا شدة ... ترمي بهم في موبقات الآجل

وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منة عليك أم والدك؟ فقال: الأستاذ أعظم منة ، لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعليمي أرتعني في نور العلم ، وأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه ، وأخرجني إلى آفات عالم الكون والفساد ، ومن الكلمات المشهورة المأثورة ، خير الآباء من علمك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت