فهرس الكتاب

الصفحة 3490 من 8321

وفي الآية مسائل:

المسألة الأولى: اعلم أن هذه هي الشبهة الثالثة التي وقعت في قلوب القوم ، وذلك لأنه A لما أمر عليًا أن يقرأ على مشركي مكة ، أول سورة براءة وينبذ إليهم عهدهم وأن الله برىء من المشركين ورسوله ، قال أناس يا أهل مكة ستعلمون ما تلقونه من الشدة لانقطاع السبل وفقد الحمولات ، فنزلت هذه الآية لدفع هذه الشبهة ، وأجاب الله تعالى عنها بقوله: { وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً } أي فقرًا وحاجة { فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ الله مِن فَضْلِهِ } فهذا وجه النظم وهو حسن موافق .

المسألة الثانية: قال الأكثرون لفظ المشركين يتناول عبدة الأوثان . وقال قوم: بل يتناول جميع الكفار وقد سبقت هذه المسألة ، وصححنا هذا القول بالدلائل الكثيرة ، والذي يفيد ههنا التمسك بقوله: { إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء } [ النساء: 116 ] ومعلوم أنه باطل .

المسألة الثالثة: قال صاحب «الكشاف» : النجس مصدر نجس نجسًا وقذر قذرًا ، ومعناه ذو نجس . وقال الليث: النجس الشيء القذر من الناس ومن كل شيء ، ورجل نجس ، وقوم أنجاس ، ولغة أخرى رجل نجس وقوم نجس وفلان نجس ورجل نجس وامرأة نجس . واختلفوا في تفسير كون المشرك نجسًا نقل صاحب «الكشاف» عن ابن عباس أن أعيانهم نجسة كالكلاب والخنازير ، وعن الحسن من صافح مشركًا توضأ ، وهذا هو قول الهادي من أئمة الزيدية ، وأما الفقهاء فقد اتفقوا على طهارة أبدانهم .

واعلم أن ظاهر القرآن يدل على كونهم أنجاسًا فلا يرجع عنه إلا بدليل منفصل ، ولا يمكن ادعاء الإجماع فيه لما بينا أن الاختلاف فيه حاصل . واحتج القاضي على طهارتهم بما روي أن النبي A شرب من أوانيهم ، وأيضًا لو كان جسمه نجسًا لم يبدل ذلك بسبب الإسلام . والقائلون بالقول الأول أجابوا عنه: بأن القرآن أقوى من خبر الواحد ، وأيضًا فبتقدير صحة الخبر وجب أن يعتقد أن حل الشرب من أوانيهم كان متقدمًا على نزول هذه الآية وبيانه من وجهين: الأول: أن هذه السورة من آخر ما نزل من القرآن وأيضًا كانت المخالطة مع الكفار جائزة فحرمها الله تعالى ، وكانت المعاهدات معهم حاصلة فأزالها الله ، فلا يبعد أن يقال أيضًا الشرب من أوانيهم كان جائزًا فحرمه الله تعالى . الثاني: أن الأصل حل الشرب من أي إناء كان ، فلو قلنا: إنه حرم بحكم الآية ثم حل بحكم الخبر فقد حصل نسخان . أما إذا قلنا: إنه كان حلالًا بحكم الأصل ، والرسول شرب من آنيتهم بحكم الأصل ، ثم جاء التحريم بحكم هذه الآية لم يحصل النسخ إلا مرة واحدة ، فوجب أن يكون هذا أولى . أما قول القاضي: لو كان الكافر نجس الجسم لما تبدلت النجاسة بالطهارة بسبب الإسلام فجوابه أنه قياس في معارضة النص الصريح ، وأيضًا أن أصحاب هذا المذهب يقولون إن الكافر إذا أسلم وجب عليه الاغتسال إزالة للنجاسة الحاصلة بحكم الكفر ، فهذا تقرير هذا القول ، وأما جمهور الفقهاء فإنهم حكموا بكون الكافر طاهرًا في جسمه ، ثم اختلفوا في تأويل هذه الآية على وجوه: الأول: قال ابن عباس وقتادة: معناه أنهم لا يغتسلون من الجنابة ولا يتوضؤن من الحدث . الثاني: المراد أنهم بمنزلة الشيء النجس في وجوب النفرة عنه ، الثالث: أن كفرهم الذي هو صفة لهم بمنزلة النجاسة الملتصقة بالشيء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت