فهرس الكتاب

الصفحة 2540 من 8321

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: قوله: { مِنْ أَجْلِ ذلك } أي بسبب فعلته .

فإن قيل عليه سؤالان: الأول: أن قوله { مِنْ أَجْلِ ذلك } أي من أجل ما مرّ من قصة قابيل وهابيل كتبنا على بني إسرائيل القصاص ، وذاك مشكل فإنه لا مناسبة بين واقعة قابيل وهابيل وبين وجوب القصاص على بني إسرائيل . الثاني: أن وجوب القصاص حكم ثابت في جميع الأمم فما فائدة تخصيصه ببني إسرائيل؟

والجواب عن الأول من وجهين: أحدهما: قال الحسن: هذا القتل إنما وقع في بني إسرائيل لا بين ولدي آدم من صلبه ، وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم ، والثاني: أنا نسلم أن هذا القتل وقع بين ولدي آدم من صلبه ، ولكن قوله { مِنْ أَجْلِ ذلك } ليس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل ، بل هو إشارة إلى ما مر ذكره في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام ، منها قوله { فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين } [ المائدة: 30 ] ومنها قوله { فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين } [ المائدة: 31 ] فقوله { فَأَصْبَحَ مِنَ الخاسرين } إشارة إلى أنه حصلت له خسارة الدين والدنيا ، وقوله { فَأَصْبَحَ مِنَ النادمين } إشارة إلى أنه حصل من قلبه أنواع الندم والحسرة والحزن مع أنه لا دفع له ألبتة ، فقوله: { مِنْ أَجل ذلك كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل } أي من أجل ذلك الذي ذكرنا في أثناء القصة من أنواع المفاسد المتولدة من القتل العمد العدوان شرعنا القصاص من حق القاتل ، وهذا جواب حسن والله أعلم .

وأما السؤال الثاني: فالجواب عنه أن وجوب القصاص في حق القاتل وإن كان عامًا في جميع الأديان والملل ، إلا أن التشديد المذكور ههنا في حق بني إسرائيل غير ثابت في جميع الأديان لأنه تعالى حكم ههنا بأن قتل النفس الواحدة جار مجرى قتل جميع الناس ، ولا شك في أن المقصود منه المبالغة في شرح عقاب القتل العمد العدوان ، والمقصود من شرح هذه المبالغة أن اليهود مع علمهم بهذه المبالغة العظيمة أقدموا على قتل الأنبياء والرسل . وذلك يدل على غاية قساوة قلوبهم ونهاية بعدهم عن طاعة الله تعالى ، ولما كان الغرض من ذكر هذه القصص تسلية الرسول E في الواقعة التي ذكرنا أنهم عزموا على الفتك برسول الله A وبأكابر أصحابه ، كان تخصيص بني إسرائيل في هذه القصة بهذه المبالغة العظيمة مناسبًا للكلام ومؤكدًا للمقصود .

المسألة الثانية: قرىء «من أجل ذلك» بحذف الهمزة وفتح النوق لالقاء حركتها عليها وقرأ أبو جعفر «من أجل ذلك» بكسر الهمزة ، وهي لغة ، فإذا خفف كسر النون ملقيًا لكسر الهمزة عليها .

المسألة الثالثة: قال القائلون بالقياس: دلت الآية على أن أحكام الله تعالى قد تكون معللة بالعلل ، وذلك لأنه تعالى قال: { مِنْ أَجْلِ ذلك كَتَبْنَا على بَنِى إسراءيل } كذا وكذا ، وهذا تصريح بأن كتبة تلك الأحكام معللة بتلك المعاني المشار إليها بقوله { مِنْ أَجْلِ ذلك } والمعتزلة أيضًا قالوا: دلت هذه الآية على أن أحكام الله تعالى معللة بمصالح العباد ، ومتى ثبت ذلك امتنع كونه تعالى خالقًا للكفر والقبائح فيهم مريدًا وقوعها منهم ، لأن خلق القبائح وإرادتها تمنع من كونه تعالى مراعيًا للمصالح . وذلك يبطل التعليل المذكور في هذه الآية .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت